واسمعوا الآن خبر أعظم نصر ناله خالد - رضي الله عنه -: لقد انتصر على خصوص قريش في الجاهلية ، وانتصر على مشركي قريش في الإسلام ، وانتصر على المرتدين حتى ردّهم عن ردّتهم ، وأيقظهم من سكرتهم فعادوا إلى طريق الحق والهدى ، وصاروا جندهما وأعوانهما ، وخضع لعبقريته أكبر جيشين عرفهما التاريخ القديم ، جيش كسرى وجيش قيصر ، ولكن أعظم انتصار ناله خالد - رضي الله عنه - هو انتصاره على نفسه .
تلك الانتصارات حاز مثلها قواد كثيروان ، من قواد المبادئ كسعد وابن العاص - رضي الله عنهم - وقواد المطامع كالإسكندر ، ونابليون ، وقواد التخريب والتدمير كجنكيز وهولاكو وتيمور ، ولكن هذا الانتصار لم يحزه قائد قط قبل خالد - رضي الله عنه - ولا سمعنا أنه حازه قائد بعده هو انتصاره على نفسه على ميوله وغرائزه ، على طبيعته الأرضية .
وذلك أنه لم يكد يفرغ من اليرموك ، ويقف ليقطف ثمرة النصر ، التهاني والدعوات ، وحتى لقيه كتاب العزل ، وكان قد وصل من قبل المعركة ، ولكن أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنه - كتمه حرصًا على المصلحة ، ووفاء لخالد - رضي الله عنه - .
وعمر - رضي الله عنه - لم يعزله بغضًا به ، ولكن ضحى به في سبيل المبدأ ، في سبيل التوحيد ، رأى الجند متعلقين به ، معتمدين على عبقريته ، فعزله ليفهمهم أن النصر من الله تعالى ، وأن الله تعالى ينصرهم بخالد وبغير خالد ، وليتكلوا على الله عز وجل لا على بشر مهما سما .
ثم إن عمر - رضي الله عنه - لم يعزله ، إنما يعزل من يولي ، وخالد لم يولّ القيادة العامة ، بل كانت (شاغرة) فعين لها أبا عبيدة بن الجراح - رضي الله عنهم .
ولسنا في الكلام عن عمر - رضي الله عنه - ولكنا في الكلام عن خالد - رضي الله عنه - أفتدرون ماذا كان أثر العزل في نفسه ؟
قال: والله لو ولّى عليَّ عمر امرأة لسمعت وأطعت !
الله أكبر .. هذا والله هو النصر الحق .
رحم الله خالدًا ، ورضي عنه وجزاه خيرًا .