فهرس الكتاب

الصفحة 17857 من 27345

حين التقى ثلاث آلاف عربي ، ممن تخرج في هذه المدرسة ، بمائتي ألف ، وحين قضى القائد الإسلامي زيد شهيدًا في المعركة ، فأخذ الراية خلفه جعفر بن أبي طالب - رضي الله عنه - فقضى ، فأخذ الراية عبد الله بن أبي رواحة - رضي الله عنه - فقضي ، فلم يجدوا من يولونه القيادة إلا خالدًا - رضي الله عنه - .

وحمل الراية ، وما معه إلا بقية الثلاث آلاف ، وحوله من العدو مائتي ألف ، وليس في الدنيا قائد يستطيع أن ينقذ هذه القبضة من الرجال ، من وسط هذا اللج ، إلا أن يأتي بأعجوبة ، وقد أتى بها خالد - رضي الله عنه - .

واستطاع أن يخرج من لجة البحر من غير أن يبتل ، وأن (ينسحب) من وسط اللهب من غير أن يحترق ، وأن يسجل للذكاء العربي ، الذي هذبه الإسلام هذه المنقبة في تاريخ الحروب .

ولم تكن بعد ذلك معركة في تاريخ الجهاد الإسلامي ، إلا كان فيها خالدٌ - رضي الله عنه - البطل المعلم ، والقائد العبقري ، ويوم نفخ الشيطان في آناف الأعراب فارتدوا بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأرادوا أن يزلزلوا بناء الإسلام ، كان من نعم الله تعالى على خالدٌ - رضي الله عنه - أن جعل على يديه تثبيت البناء ، وأن يرد عنه عادية المخربين .

فلما استقر الأمر في الجزيرة ، وثبت العرب على الإسلام ، وكتب الله لهم شرف حمل النور الهادي ، الذي جاء به محمد - صلى الله عليه وسلم - إلى آفاق الأرض ، ليضيئوا القلوب بالإيمان ، والعقول بالعلم ، والأرض بالعدالة والأمان ، كان خالد - رضي الله عنه - في مقدمة الأبطال الذين قادوا هذا الزحف المبارك ، فمشى أولًا إلى العراق ، ليواجه الدولة الطاغية المتجبرة ، دولة كسرى ، فخاض في سلسلة من الوقائع المظفرة ، كانت المعارك الأولى التي صدعت هذا الصرح العالي .

ولما جاءه أمر الخليفة بأن يذهب إلى الشام ، أتى بما لم يأت بمثله إلا نفر من عباقرة القواد في تاريخ الحروب في الدنيا ، حين اقتحم البادية ، بادية الشام .

ومن المعروف أن الجيش العربي أجرأ جيش وأخفه وأسرعه انتقالًا ، شهد بذلك الأصدقاء والأعداء على السواء ، ولكن الجيش العربي لم يعرف حركة أجرأ ولا أسرع ولا أعجب من انتقال خالد - رضي الله عنه - بعشرة آلاف من العراق (من الحيرة) إلى الشام ، مخترقًا الصحراء التي ليس فيها نقطة ماء إلا ما حمله على ظهور الإبل ، وما ابتكره من حمل الماء في بطونها ، وكان جنده يطيعونه ويتبعونه راضين واثقين ولو كلفهم خرط القتاد ، رحلة عجيبة لا يتسع الوقت لوصفها ، فارجعوا إلى من شئتم من المؤرخين فسألوهم ما خبرها ، تسمعوا قصة من أروع قصص المغامرة ، ومثلًا من أعلى أمثلة الرجولة والعزم .

وماذا تظنون صنع بعدما وصل ديار الشام ؟

إن الواحد منا يقطع هذا الطريق اليوم بالسيارة مضطجعًا ، يأكل ويتحدث وينام ، وعنده المدفأة في الشتاء ، والمروحة في الصيف ، فلا يشكو بردًا ولا حرًا ، ثم إذا وصل استلقى من تعبه على الفراش ، وخالد - رضي الله عنه - قطعها على ظهور الإبل ، تحت شمس الهاجرة ، ووسط برد الليل ، مع الجوع والعطش والخوف ، فلما وصل رأى أمامه جيشًا كثيفًا من الروم ، وجيشًا أكثف منه يتجمع قريبًا منه ، والمسلمون فصائل ليس لها قيادة موحدة ، فما شكا تعبًا ، ولا ابتغى راحة ، ولا انتظر الأوامر من المدينة ، بل حمل التبعة كاملة ، وبادر إلى العمل ، فجمع الفصائل الإسلامية وقادها ، وعمد إلى الجيش الرومي الأدنى ، فضربه في (أجنادين) ضربة أذهبت روعه ، وأطارت صوابه ، ومزقته شر ممزق ، ثم وثب إلى الجيش الآخر في (اليرموك) .

واليرموك هو اليوم الأغرّ في سيرة خالد - رضي الله عنه - وهو من أيام الإسلام المعدودات .

وكان العرب لا يزيدون على خمسة وأربعين ألفًا ، سلاحهم ضعيف ، ومنزلهم بعيد ، والميرة والمدد منقطعان عنهم إلا أن ينتظروا أيامًا لا تنتظرها المعركة ، والروم نحو مائتي ألف ، قد احتلوا من اليرموك موقعًا حصينًا ، ومعهم الذخائر والميرة ، وهم في بلاد كانوا يحكمونها ، ويملكون مواردها وخيراتها ، وإن تكن بلادًا عربية من الأزل ، وكانوا على تعبئة فنية ، والعرب بشجاعتهم ، وقوة قلوبهم ، لا يعرفون التعبئة ، إنما يعرفون الهجوم هجوم النمر الكاسر .

ولم يكن خالد -رضي الله عنه - رأى تعبئة حربية من قبل ، فلما رآها لم يُستَطر لبه ، ولم ينخلع قلبه ، بل أحاط بها بنظره ، وتعلمها في لحظة ، وعبأ الجيش العربي تعبئة كانت هي الأولى في تاريخ العرب .

فانظروا إلى عبقرية خالد - رضي الله عنه - حين تعلم من نظرة ، ما تفنى الأيام ، وتنقطع السنون دون تعلّمه ، وإلى مرونة الجيش العربي ، وذكائه وسرعة اقتباسه ، حين تلقى هذا الدرس من مرة واحدة ، وأدى فيه - الامتحان - العاجل ، وكان من الناجحين .

وطهرت هاتان المعركتان أرض الشام من الروم ، وعادت عربية مسلمة ، وكانت إحدى حسنات خالد - رضي الله عنه - .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت