( كنت أنشرح كثيرا عندما أصلي مقتديا بالاستاذ ، كان قيامه للصلاة يزيد الإنسان رهبة وخشوعا . وكان يرشدنا الى أن التسبيحات والاذكار عقب الصلاة انما هي بحكم نوى للصلاة وبذورها . وكان يسبح ويذكر الله بصوت رخيم حزين ، فعندما يقول( سبحان الله .. سبحان الله ) كنا نسمعه يصدر على مهل من أعماق أعماق قلبه . انني شخصا لم أر مثل الاستاذ قط من يصلي ثم يسبح هذا الخشوع والحزن ، مع انني رأيت كثيرا من الشيوخ والعلماء ) (15)
لقد كان النورسي يهتم كثيرا بالتسبيحات والاذكار عقب الصلاة ، وكان يوصي طلابه وإخوانه الذين يظهرون تكاسلًا وفتورًا في قراءة الأذكار بعد الصلاة:
( أن تلك الأذكار الواردة عقب الصلاة هي سُنة نبوية مطهرة ، وطريقة محمدية شريفة ، وهي اوراد الولاية الاحمدية فأصبحت أهميتها - اذن - من هذه
الزاوية عظيمة ) (16) .
والنورسي واقتداءً بالرسول الكريم (صلى الله عليه وسلم ) والداعين الى طريق الحق ، فأنه كان يقوم لصلاة التهجد كل ليلة . لأن صلاة التهجد ، هي الزاد والمنار في الطريق الشاق الطويل الذي يسلكه السالكون الى الله ، لكي يعصمه من وساوس شياطين الأنس والجن . ومن ضلالات الطريق . أنها لحظات انقطاع هذا الإنسان عن كل حول وقوة تربطه بهذه الدنيا الفانية وبأي محبوب فان .. أنها لحظات تعطي للقلب انسًا وطمأنينة وراحة وتسكن الروح فيها . والتهجد في الليل ( يذكر بضرورته ضياء لليل القبر ، ولظلمات عالم البرزخ ، وينبه ويذكر بنعم غير متناهية للمنعم الحقيقي عبر هذه الانقلابات ، ويعلن أيضا مدى أهلية المنعم الحقيقي للحمد والثناء ) (17) .
يقول تلميذه وصديقه ( ملا حميد ) حول قيام النورسي لصلاة التهجد:
( كان الأستاذ) يقوم لصلاة التهجد كل ليلة ، وكنت أحيانا أراه وهو يصلي فلا
أستطيع النوم . وعندما كان يراني مستيقظا يقول لي: ما دمت مستيقظًا فتعال وشاركني في الدعاء . ولكنني كنت أجهل قراءة أي دعاء ( المقصود: باللغة العربية) فكان يقول لي: سأدعو أنا وردد أنت بعدي: آمين . فأنا أدعو بدعاء سيدنا يونس عليه السلام . وبدعاء أويس القرني وأطرق باب رحمة الله بهما . وكنت أغفو أحيانا أثناء الدعاء فكان ينظر الي ويقول: لقد كنت أنا أيضا مثلك .. ولكنك ستتعود ) (18)
ويحدثنا تلميذه ( بايرام يوكسل) ذكرياته حول أذكار النورسي في الليل فيقول: ( كان الأستاذ ينام قليلا ، ويأكل قليلا جدا بحيث لا يكفي لإشباع حاجة الإنسان الاعتيادي وكان يقول لنا: - النوم الفطري والطبيعي هو خمس ساعات في اليوم . وكان من عاداته - التي لم يتخل عنها طوال حياته المباركة - أن يقضي الليالي بالتسبيح والتهليل والدعاء والمناجاة والتهجد ، وكان على وضوء دائم ، وكان جيران الأستاذ في( إسبارطة وبارلا واميرداغ ) يقولون لنا: حينما ننظر الى بيت الأستاذ في الليل نرى مصباحه الخافت مضاء ونسمع أنين أذكاره الحزين ودعاءه الرقيق ) (19) .
الهوامش
(1) المثنوي العربي النوري - ص 197- النورسي - تحقيق احسان قاسم الصالحي .
(2) المثنوي العربي النوري - ص 197.
(3) بديع الزمان سعيد النورسي ( حياته واثاره ) ص53- تأليف احسان الصالحي .
(4) الكلمات الصغيرة - النورسي ترجمة: احسان الصالحي .
(5) المثنوي العربي النوري - ص164- 165.
(6) ذكريات عن سعيد النورسي - 76- ترجمة اسيد الصالحي .
(7) أشارات الاعجاز - ص 65- النورسي .
(8) الكلمات الصغيرة - الكلمة الرابعة - النورسي
(9) ذكريات عن سعيد النورسي - ص 13.
(10) المثنوي العربي النوري - ص280.
(12) ذكريات عن سعيد النورسي - ص100.
(14) الكلمات - الكلمة التاسعة - النورسي- ترجمة: احسان الصالحي .
(15) ذكريات عن سعيد النورسي - ص10.
(17) الكلمات - الكلمة التاسعة - النورسي
(18) ذكريات عن سعيد النورسي
(19) ذكريات عن سعيد النورسي - ص11.