قد أكون مخطئًا ، لكن الذي عاينته مع الناس وبلوته من أخلاقهم وأخبارهم جعلني أبعد الناس عن الاغترار بطول اللحى وكبر العمائم والجبب السوابغ ومظاهر التقى وهذه الركعات التي تؤدى في المساجد وهذه الأيام الحارة التي يقطعها الناس في الصوم ، فلعمري ما جدوى كل هذا إذا لم يلقِ عليك أيها المسلم صلاحًا لقلبك وسلامة لنفسك وطهارة لضميرك ، وما لم يتولد من كل ذلك تلك القدرة الخارقة التي تميز المسلمين الصادقين على أن تتجاوز نفسك وعلى تعلو فوق ذاتك وعلى أن تتمرد بل على أن تحتقر شهواتك ورغباتك ودوافعك الرخيصة .
إن الإسلام مظلوم ، قضية عادلة ولكن المدافعين عنه فاشلون ، الإسلام دين الله وحبله المتين ونوره المبين ، صراطه المستقيم ، كلمته الواضحة التي لا تقبل الاشتراك ولا تقبل التحريف ولا تقبل التزييف . والإسلام فوق هذا يقسم الناس قسمة حدية ، أعني أن الإسلام يقرر أن الناس رجلان: مؤمن تقي كريم على الله ، وفاجر شقي هين على الله . وأن معترك الدنيا صفان ولا مزيد: حق وباطل ، هدى وضلال ( فماذا بعد الحق إلا الضلال فأني تصرفون ) . وأما أنصاف الحلول والجسور المعلقة أو الثابتة التي تُنصب على معالم الحق والباطل لتشرّك بين الأمرين ولتصل بين الوصفين أمور يرفضها الإسلام .
ومنذ أن جهر محمد صلى الله عليه وسلم بكلمات لربه انقسم الناس قسمة رأسية ، فريق يأخذ بأمر الله لا يدهن فيه ولا يساوم ولا يترخص ، وفريق أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني . أما الذين أخذوا الأمر على أنه جد لا هزل معه وعمل هادف مقصود لا لعب معه فأدلجوا وساروا ووصلوا المنزل ، وأما الذين هزلوا وعبثوا وخضعوا للشهوات فإن السبل تقطعت بهم وكانوا فرائس الحيرة والضيعة والفشل المستمر ، ومضى الناس منذ ذلك التاريخ وعلى صفحات التاريخ الحضاري كله هذه السمة البارزة هذه العلامة الواضحة هذا الأثر الذي أحدثه الإسلام ، ناس يدعون إلى الله على هدى وبينة ، وناس يتخبطون في أوهام الشهوات ، وكانت الدنيا بخير لو أن الأمور أخذت طريقها المعتاد ولو أن المسلمين أعملوا قاعدة الإسلام الأولى وهي أن الإسلام لا يوجد فيه العواطف ولا يتملك الغرائز ولا يربّت على الشهوات وإنما هو الحق المر والمركب الخشن والباب الضيق ، لو أن المسلمين أعملوا هذا وفهموا أوليات الإسلام التي تقول إن كلما وضع الله من شريعة فإنما وضعت لتكبح ملجمات النفس ولتزمّ النفس بخطام الشريعة كي لا تستبسل في المرتع الوبيئ ، ولكن الناس انغمسوا في الدنيا وتركوا أمر الله جل وعلا جانبًا فما الذي كان ؟ كان أن أصبحنا نرى الواحد منا ولا أحب أن أستثني بالمرة أحدًا يصوم ويصلي ويحج ويزكي ويتعب وينصب ويشقى وهو يظن أنه من الذين يحسنون صنعًا ، فإذا جاءت نزغة من نزغات الشيطان وحديث من أحاديث النفس الوضيعة الهابطة نسي الإنسان ما كان فيه ، بل نسي ما كان يدعو إليه ولم يذكر إلا هذه اللحظة الحرجة وما تجر إليه هذه اللحظة الحرجة ، فإذا هو عياذًا بالله جل وعلا ألعوبة مسلوبة الحول والقوة في يدي إبليس يتلعب به كيف يشاء .
وفي خطبة العيد ذكرت لكم أن علة العلل هي أن الناس نسوا الله واليوم الآخر وذكروا الدنيا فمن أجل ذلك كان الذي كان ، وكان يجب أن يعمق لكن الوقت لم يكن يسمح لنا بأكثر من الكلام الذي قلناه والذي أتصور أنه يكفي في ذلك الوقت ، إن الذي أريد أن أقوله بصراحة وبحرية تامة هو ما يلي: إننا في الحقيقة وأرجو أن يكون مفهومًا أنني أتحدث عن بلدي وعن مشكلات بلدي وعن مصاعب أهلي وقومي في بلدي وأرجو أن يكون مفهومًا أنني حريص غاية الحرص على أمر قد أكون أول اليائسين منه لولا الثقة برحمة الله والرجاء بمعونة الله جل وعلا إنني أحرص على أن يتعقل كل أحد ولكن للأمانة أيضًا أحب أن أصارحكم بأنني قانع الآن قناعة تملأ أقطار نفسي أن الناس الذين تلوثوا بمفاهيم جاهلية وأعراض قبلية وعوائد عشائرية لا أستطيع أن ألمس أية فائدة من محاولات الإرشاد والنصح حينما يوجهان إليه إلا أنني آمل بالشباب الذي لم يلوث بعد ، الذي لم يتعقد في المشكلات السخيفة والذي لم يخضع للاهتمامات الصغيرة ، آمل أن تكون له من القيم العليا مشاغل تشرف الإنسان وتزكي الإنسان وترفع من قدر الإنسان ، آمل والوقت بعد جيد ومناسب والتذكير وارد ، والأسوة السيئة والقدوة القبيحة قائمة أيضًا ، وإذًا فأمام الشباب سلاحان طيبان جدًا ممكن لهم أن يستخدموهما بكفاءة عالية ، فيصوغوا أنفسهم وفاقًا لما يريد الله وعلى نحو فيه للإنسانية الشيء الكثير .
ومع هذا فرحمة الله قريب من المحسنين قريب من المجدين العاملين ، ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون ، ونرجو أن يفيء الله علينا جميعًا شيبًا وكهولًا وشبابًا ، وأن يعطف قلوبنا حتى نكون أوفى مما نحن عليه بقضايا الإسلام .