فهرس الكتاب

الصفحة 20835 من 27345

فالذي ينكر على شخص بيانًا أو خطابًا عليه أن يتأمل كلامه كله ولا يجزئه ويفصل أوله عن آخره فهذه طريقة غير صحيحة وفيها ظلم وتعدي واتهام للشخص بما ليس فيه .

فقد ينكر هذا العالم أمرًا في موضع و حادثة معينة لما لها من ملابسات وتداعيات ويؤيدها في موضع آخر لخلوها من المفاسد في الحالة الأولى ولهذا لا يمكن أن يعد هذا تناقضًا ولا تراجعًا كما يفسره بعض من قل نصيبه من الفقه والعلم.

القاعدة الخامسة: التفريق بين مقام الرد والإنكار ومقام الدعوة والإرشاد:فالسلف رحمهم الله عند ردهم على رموز أهل البدع ودعاتها قد يغلظون لهم في القول، ولكن عند مراسلتهم لدعوتهم إلى الحق فإن اللهجة والخطاب يختلف وقل مثل ذلك مع الكفار .

فعند الرد على طعنهم في دين الإسلام والقرآن يغلظ عليهم أما عند مراسلتهم لدعوتهم إلى الإسلام فإن الخطاب يلين وذلك عملًا بما جاء عن الله وعن رسوله فالله جل وعلا لما أرسل موسى وهارون لدعوة فرعون قال لهما (فقولا له قولا لينًا) .

ولعلي أذكر لك هنا مقاطع من كلام شيخ الإسلام في رسالته لملك قبرص الذي اعتدى على المسلمين وعلى بعض علمائهم وكيف كان لطيفًا حين دعوته للإسلام وشديدًا حين الإنكار عليه في بعض ما عملوه في المسلمين كنموذج عملي على التفريق بين المقامين:

قال رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (28/601) :

"من أحمد بن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين وعظماء القسيسين والرهبان والأمراء والكتاب واتباعهم سلام على من اتبع الهدى ..."

وقال في ص615:"وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله ، لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل ومحبة العلم وطلب المذاكرة ورأيت الشيخ أبا العباس المقدسي شاكرًا من الملك:من رفقه ولطفه وإقباله عليه وشاكرًا من القسيسين ونحوهم."

ونحن قوم نحب الخير لكل أحد ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة ..""

وقال في ص624:"وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن والمعاونة على النظر في العلم واتباع الحق وفعل ما يجب ...."

وقال ص627:"وأما في الدنيا فإن المسلمين أقدر على المكافأة في الخير والشر من كل أحد .."

وقال ص628:"وأبو العباس حامل هذا الكتاب قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا واستعطف قلوبنا إليه فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير وميله إلى العلم والدين وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه وطلب الخير لهم."

وقال ص629:"والذي أختم به الكتاب الوصية بالشيخ أبي العباس وبغيره من الأسرى والمساعدة لهم والرفق بمن عندهم من أهل القرآن والامتناع من تغيير دين أحد منهم وسوف يرى الملك عاقبة ذلك كله ونحن نجزي الملك على ذلك بأضعاف ما في نفسه والله يعلم إني قاصد للملك الخير لأن الله تعالى أمرنا بذلك وشرع لنا أن نريد الخير لكل أحد ونعطف على خلق الله وندعوهم إلى الله وإلى دينه وندفع عنهم شياطين الأنس والجن."

والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله ويختم له بخاتمة خير والحمد لله رب العالمين ..."أ.هـ"

القاعدة السادسة: التأليف للرد على المخالف عند الحاجة:

وذلك أن السلف لم يؤلفوا في الرد إلا عند الحاجة وعند التباس الأمور على الناس وافتتانهم بكلام بعض أهل البدع والزيغ.

ولا أعلم أن السلف ردوا على بعضهم فيما يسوغ فيه الاجتهاد خلال القرون الثلاثة الأولى.

بل كان جل همهم الدفاع عن عقيدة السلف والرد على من أراد تحريفها و التلبيس على الناس في عقائدهم وقد صرحوا بذلك في كتبهم .

يقول الإمام الدارمي (ت280هـ) في مقدمة رده على بشر المريسي (1/143) :"ولولا ما بدأكم هذا المعارض بإذاعة ضلالات المريسي وبثها فيكم ما اشتغلنا بذكر كلامه مخافة أن يعلق بعض كلامه بقلوب الجهال فيلقيهم في شك من خالقهم وفي ضلال أو أن يدعوهم إلى تأويله المحال لأن جل كلامه تنقص ووقيعة في الرب واستخفاف بجلاله وسب وفي التنازع فيه يتخوف الكفر ويرهب .."أ.هـ

وقال في رده على الجهمية:

"وقد كان من مضى من السلف يكرهون الخوض في هذا وما أشبهه (يعني الرد على شبهات أهل البدع ) وقد كانوا رزقوا العافية منهم وابتلينا بهم عند دروس الإسلام وذهاب العلماء فلم نجد بدًا من أن نرد على ما أتوا به من الباطل بالحق"أ.هـ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت