وما ألطفَ ما رواه ابنُ كثير رحمه الله أنَّ وفدًا من العراقيِّين حَجُّوا سنةَ أربعٍ وتسعين وثلاثمائة وكانوا يخافون قُطَّاعَ الطريق، ومعهما قارئان من أحسنِ الناس صَوتًا،"وقد كان أميرُ العراقِ عَزمَ على العَودِ سريعًا إلى بغداد على طريقِهم التي جاؤوا منها، وأنٍ لا يسيروا إلى المدينة النبويَّة؛ خوفًا من الأعراب... فشقَّ ذلك على الناس، فوقفَ هذان الرجلان القارئان على جادَّة الطريقِ التي منها يُعدَلُ إلى المدينة النبويَّة، وقرءا: مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ اللّهِ وَلاَ يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلاَ يَطَؤُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ الآيات (التوبة 120) . فضجَّ الناسُ بالبكاء، وأمالت النوقُ أعناقها نحوهما؛ فمال الناسُ بأجمعهم والأمير إلى المدينة النبويّة، فزاروا وعادوا سالمين إلى بلادهم". [5]
أَحبابَنا هَل لِذاك العَهدِ تَذكارُ ** يُدنِي إلَيكُم إِذا لَم تُدْنِنا الدارُ؟
بِنتُم فَلَم يُغْنِنا مِن أُنْسِكُم سَكَنٌ ** يَومًا وَلا راقَنا مِن بَعْدِكُم جارُ!
تَجري الْمُنَى سانِحاتٍ في خَواطِرِنا** وَما لَها غَيرُ جَمعِ الشََّملِ أَوطارُ
قَد قَطَّع البُعدُ نَجوانا وَما بَرِحَتْ ** في القَلبِ مِنكُم أَحاديثٌ وَأَسرارُ
نَبيتُ في الرَّبعِ نَستَسْقي الغَمامَ لَكُم ** وَقَد سَقَتْ رَبعَكم لِلدََّمعِ أَمطارُ
حَقٌّ عَلَينا وَإِن غِبتُم زَيارتُهُ ** فَهَلْ نَراكُمْ وَأَنتُم فيهِ زُوَّارُ؟
أَمَّا الكَرى فَسَلُوا عَنهُ الخَيالَ إِذا ** وارَتْهُ مِن ظُلُماتِ اللََّيلِ أَستارُ
يَطوفُ مِن حَولِنا حَتى يَعود وَقَد ** أَصابَهُ مِن رَشاشِ الدَمعِ آثارُ!
وليت شعري من لا يَحِنُّ إلى زيارةِ طَيْبة الطيِّبة؛ فإنَّ ذلك من علاماتِ حُبِّ النبِيِّ صلى الله عليه وسلم، كما قال القاضي عياض رحمه الله:"ومن إعظامه وإكبارِه إعظامُ جميعِ أسبابِه، وإكرامُ مَشاهِدِه وأَمْكِنَتِه مِن مكَّة والمدينة ومَعاهدِه وما لَمِسَه صلى الله عليه وسلم أو عُرف به... وحُدِّثتُ أن أبا الفضل الفضل الجوهري لما ورد المدية زائرًا وقرب من بيوتِها ترجَّلَ ومشى باكيًا مُنشِدًا:"
ولَمَّا رأينا رَسْمَ مَن لَم يَدَعْ لنا** فُؤادًا لِعِرْفانِ الرُّسُومِ ولا لُباًّ!
نزَلْنا عن الأكْوارِ نَمشِي كرامةً** لِمَن بانَ عنه أن نُلِمَّ بِهِ رَكْبا!
... وجَدِيرٌ لِمَواطِنَ عُمِّرَتْ بالوَحيِ والتنْزِيل، وتردَّد بها جبريلُ وميكائيل، وعرَجتْ منها الملائكةُ والرُّوح، وضَجَّت عَرَصاتُها بالتقديسِ والتسبيح، واشتمَلَتْ تُرْبَتُها على جَسَدِ سيِّدِ البشر، وانتَشرَ عنها مِن دينِ الله وسُنَّةِ رسولِه ما انتشَر! مدارِسُ آيات، ومساجِدُ وصَلَوات، ومَشاهِدُ الفضائلِ والخيرات، ومَعاهِدُ البراهينِ والمعجِزات، ومَناسِكُ الدِّين، ومَشاعِرُ المسلمين، ومواقفُ سيِّدِ المرسَلِين، ومُتبوَّأ خاتَمِ النبيِّين! حيثُ انفَجرَت النُّبوَّة، وأين فاضَ عُبابُها، ومَواطِنُ مَهبطِ الرسالة، وأولُ أرضٍ مسَّ جلدَ المصطفى ترابُها: أن تُعظَّم عرصاتها، وتُتنَسَّم نفحاتُها، وتُقبَّلَ رُبُوعُها وجُدُرانُها:
يا دارَ خَيرِ المرسَلِين ومَن به ** هُدِيَ الأنامُ وخُصَّ بالآياتِ
عندي لأجلِك لَوْعةٌ وصَبابةٌ ** وتَشَوُّقٌ مُتوَقِّدُ الجمَراتِ!
وعَلَيَّ عَهْدٌ إنْ مَلأتُ مَحاجِرِي** مِن تِلكُمُ الْجُدُرانِ والعَرَصاتِ!
لأُعَفِّرَنَّ مَصُونَ شَيْبِي بينَها ** مِن كَثرةِ التقبِيلِ والرَّشَفاتِ!
لولا العَوادي والأعادي زُرتُها** أبدًا ولو سَحْبًا على الوَجَناتِ!
لَكِِنْ سأُهْدِي من حَفِيلِ تحيَّتِي ** لِقَطِينِ تلك الدارِ والْحُجُراتِ
أزْكَى من الْمِسْكِ المفتَّقِ نفحةً** تغشاهُ بالآصالِ والبُكُراتِ" [6] "
ولا يخفى أنَّ الشمائلَ ليست قاصِرةً على الحنينِ والأشواق والآثارِ والأخبار، بل تشملُ الإتِّباعَ واكتساب الأخلاق، كما قال الله عزَّ وجلَّ: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (آل عمران 31) .. والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آلِه وصحبِه ومَن والاه.
[1] القرى لقاصد أم القرى ص 350.
[2] مختصر منهاج القاصدين ص50.
[3] مدينة من مدن تونس، يُنسَب إليها علي النوري الصفاقصي صاحب (غيث النفع في القراءات السبع) .
[4] مواهب الجليل للحطاب 2/497-498. دار الفكر بيروت. ط2. 1398.