فهرس الكتاب

الصفحة 255 من 27345

والله سبحانه وتعالى وقد بين لنا هذا الأمر، وحذرنا من الوقوع فيه؛ فإنه أيضًا جل وعلى أخبرنا عن عواقبه وآثاره في كتابه العظيم، وعلى لسان رسوله الكريم الذي لا ينطق عن الهوى صلى الله عليه وسلم.

وقد آثرت الاختصار في هذا المحور لأن الحديث عن هذا الموضوع سيكون مفصلًا بإذن الله في محور آخر في هذا المؤتمر.

وأهم آثار الافتراق ما يلي:

(1) الشرك بالله تعالى:

سبق القول أن الناس يختلفون في مداركهم وفهمهم واستنباطهم وأنهم ليسوا على قلب رجل واحد في قوة الفهم وسرعة الاستنتاج والاستنباط، لهذا تجد أن لبعض المفسرين أقوالًا في آية من كتاب الله تعالى تغاير أقولا ً لمفسرين آخرين، وتجد الفقهاء تتباين أقوالهم في مسألة من مسائل المفقه، وهلم جرا، وهؤلاء جميعًا أُمِروا بالرجوع إلى كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، فهما الفيصل في مسائل الخلاف، فمن رجع فقد استجاب لنداء الله تعالى كما هو في كتابه، ومن أصر على رأيه فقد اتخذ إلهه هواه وأعرض عن حكم الله وحكم رسوله، وهذا مناف للتوحيد الذي يدين به.

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو يتكلم عن التفرق والاختلاف:"وهذا التفرق والاختلاف يوجب الشرك وينافي حقيقة التوحيد الذي هو إخلاص الدين كله لله كما قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَلا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) ( [5] ) ."

فإقامة وجهة الدين حنيفًا، وعبادة الله وحده لا شريك له ــ وذلك يجمع الإيمان بكل ما أمر الله به وأخبر به ــ أن يكون الدين كله لله، وقوله تعالى (ولا تكونوا من المشركين..) الآية. وذلك أنه إذا كان الدين كله لله؛ حصل الإيمان والطاعة لكل ما أنزله وأرسل به رسله، وهذا يجمع كل حق ويجمع عليه كل حق، وإذا لم يكن كذلك فلا بد أن يكون لكل قوم ما يمتازون به، مثل معظم مطاع أو معبود لم يأمر الله بعبادته وطاعته، ومثل قول ودين ابتدعوه لم يأذن الله به ولم يشرعه فيكون كل من الفريقين مشركًا من هذا الوجه" ( [6] ) ."

(2) براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من المفترقين:

يود المسلم، وقد رضي بالله تعالى ربًا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيًا، أن يكون من المتبعين له في هذه الدنيا ومن المحشورين في زمرته وتحت لوائه صلى الله عليه وسلم يوم القيامة. وهذا أمر لا يكون إلا للمتبع، ولا يكون إلا لمن اعتصم بحبل الله المتين، ولزم جماعة المسلمين.. لذا فمن آثار الافتراق ــ والعياذ بالله ــ براءة الرسول صلى الله عليه وسلم من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا وذلك بنص القرآن الكريم (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ) ( [7] ) .

قال أبو عبد الله القرطبي ( [8] ) :" (إن الذين فرقوا دينهم) هم أهل البدع والشبهات وأهل الضلالة من هذه الأمة، (شيعًا) فرقًا وأحزابا، وكل قوم أمرهم واحد يتبع بعضهم رأي بعض؛ فهم شيع، (لست منهم في شيء) فأوجب براءته منهم".

وهذه الآية عامة في كل من فارق دين الله وكان مخالفًا له فإن الله بعث رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وشرعه واحد لا ختلاف فيه ولا افتراق فمن اختلف: (كانوا شيعًا) أي فرقًا كأهل الملل والنحل والأهواء والضلالات؛ فإن الله تعالى قد برأ رسوله صلى الله عليه وسلم مما هم فيه ( [9] ) .

(3) تعطيل الجهاد في سبيل الله:

حث الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين على الجهاد في سبيله وأمرهم بالقيام به وبيّن لهم أن الإعتصام بحبل الله المتين هو الطريق للجهاد في سبيله، والفرقة والاختلاف أكبر عائق له.

والجهاد في سبيل الله لا يقوم إلا على أكتاف أمة معتصمة بحبل الله، مجتمعة الكلمة، متحدة الهدف والغاية، ولا يمكن أن يقوم على كواهل طوائف متفرقة، مختلفة في عقيدتها وأهدافها وغاياتها، بل إن هذه الطوائف جديرة بفتح سوق النزاع والشقاق والحروب بعضها مع بعض بدلًا من حروبها مجتمعة مع غيرها، فلا جهاد بدون وحدة واجتماع، ولا وحدة بدون أصول تجمع الشتات وتلم الشعث ( [10] ) .

وعندما ضعفت هذه القاعدة، واستمسك أبناء هذه الأمة بحبل القوميات والنعرات الجاهلية، وابتعدوا عن حبل الله المتين.. حصل التفرق والافتراق، ونتج عن ذلك أن جاهد أبناء هذه الأمة بعضهم بعضهم، وقاتل بعضهم بعضًا؛ فضعف شأن الأمة.. فتداعت عليهم الأمم من كل حدب وصوب، فبعد أن كانت أمة مجاهدة وصلت في فتوحاتها من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب.. صارت أمة ضعيفة يطمع فيها أعدائها بين كل لحظة وأخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت