فهرس الكتاب

الصفحة 20819 من 27345

5 -أن اعتقاد وجوب اتباع مذهب ما، وتقليد إمامه في كل ما يقول، والتعصب له، واعتقاد العصمة فيه، ليس فرضًا ولا سنة، بل هو -كما يقول الإمام ابن حزم: حرام، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن تاب قائل هذا الكلام وإلا قُتِل) !!.

من هنا نعلم صدق قول القائل: كُلّ يؤخَذ من كلامه ويُتْرَك، إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، والله عز وجل يقول: (اتَّبِعُوا مَا أُنزِلَ إلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ ولا تَتَّبِعُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ) [الأعراف: 3] . والتقليد الأعمى للأشخاص والآباء سمة الكافرين الذين قال الله عز وجل فيهم: (وإذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) [لقمان: 21] .

وقد نهى هؤلاء الأئمة أنفسُهم عن تقليدهم، فيقول أحدهم: (لا يحِل لأحد أن يقول مقالتنا، حتى يعلم من أين قلنا) ، بل إنهم كانوا يعملون بما يخالف آراءهم عندما يكونون في حضرة إمام آخر يخالف رأيهم، تأدبًا واحترامًا له، مثلما فعل الشافعي عندما ترك القنوت في صلاة الصبح -رغم أنه يراه واجبًا- عندما كان بالعراق احترامًا لمذهب الإمام أبي حنيفة، رغم أن أبا حنيفة وقتها كان ميتًا، وقد رفض الإمام مالك -رحمه الله- أن يعلَّق كتابه الموطأ في الكعبة، وأن يُجبَر الناس على اتباع مذهبه، لما طلب الخليفة الرشيد ذلك، وقال له الإمام: (لا تفعل، فإن أصحاب رسول الله اختلفوا في الفروع، وتفرقوا في البلدان) .

6 -أن العصبية التي ظهرت وتظهر عند البعض لمذهب معين وإمام معين، لا لشيء إلا للهوى والمصلحة، إنما هي تفريق للأمة، وإفساد لروابطها، كهؤلاء الذين اختلفوا في حُكم تزوج المرأة الحنفية بالرجل الشافعي، وقاسها البعض منهم على المرأة الكتابية!!.

7 -أن الخلاف في المسائل الاجتهادية التي لم يرد فيها نص قطعي الثبوت والدلالة، لا ينبغي أن يؤدي إلى تفرق أو تنازع، فقد خالف الصحابة بعضهم بعضًا في بعض المسائل، ولم يحدِث ذلك بينهم فُرقة ولا عداوة ولا شحناء.

الجماعة وسيلة لا غاية

لا أظن أن هناك جماعتين -أي جماعتين- قد اختلفتا على هذه المبادئ أو تنازعتا عليها من الناحية النظرية، ولكننا حينما ننظر إلى التطبيق وواقع الأفراد نجد أن الصورة تختلف.

إن هذه التيارات، أو الجماعات -كما يطلق عليها البعض- إنما هي في حقيقتها مجرد 'تجمعات' لا نستطيع أن نطلق على أحدها -أو حتى مجموعها- أنها جماعة المسلمين التي يجب أن ينضوي تحتها كل المسلمين، وأن مَنْ يخرج عن كنفها مفارق لجماعة المسلمين. فكل تجمع من هذه التجمعات اصطلح أفراده فيما بينهم على تبني وسائل معينة يخدمون من خلالها الإسلام، ويرون -مخلصين، والله حسيبهم- أن هذه الوسائل ستؤدي بهم يومًا ما إلى تحقيق ما ينشدونه من خير للإسلام والمسلمين. وقد يتفق معهم على بعض هذه الوسائل غيرهم من التجمعات وقد يختلف.

ووجود مثل هذه التجمعات وتعددها في هذا النطاق ليس بالأمر الضار، وإنما هو ظاهرة صحية لو فهم كل منها دوره، وعرف كيف ينظر إلى غيره من هذه التجمعات وكيف يتعامل معها؛ فتكون العلاقة بين تلك التجمعات علاقة تعاون وتكامل بنَّاء، لا علاقة تصادم وتناحر هدَّام.

لأي جماعة أنتمي؟.

وسؤال دائمًا ما يفرض نفسه على الملتزمين الجدد: 'إلى أية جماعة أنتمي؟؟'، وغالبًا ما يكون الترشيح الوحيد الذي يُطرَح أمامَه ويُستبعَد ما عداه هو التجمع الذي ينتمي إليه من أخذ بيده إلى طريق الالتزام، الذي يحاول أن يربي من يدعوه داخل ما يشبه الحضَّانة المحصَّنة، لا يُقرِئُه ولا يُسمِعُه ولا يُريه إلا ما يرضى هو عنه، ويُحَرِّم عليه ما سوى ذلك من قراءات ومسموعات ومشاهدات، بدعوى الحفاظ عليه من التأثر بالأفكار الأخرى، وهو في ذات الوقت يدرس له الشبهات المختلفة التي تقدح في أفكار ورؤى التجمعات الأخرى، قبل أن يعلمه أصول الدين وقواعده، فيخرج صاحبنا المسكين بعد ذلك مَسْخًا مُشوَّهًا غير قادر على الفكر والنظر، يحفظ كلمات وجملًا يرددها كالببغاء دون وعي، وقد حفظ لسانه كلَّ ما يسيء به إلى غيره من المسلمين الذين يعملون من خلال منظور آخر غير المنظور الذي تلقَّنه.

إن المسلم الراغب في العمل للإسلام والدعوة إليه، ينبغي لكي ينجو من هذه الهاوية، ويخرج من هذه الحلقة المفرغة، أن يجيب عن سؤالين:

الأول: هل أنتمي إلى أحد هذه التجمعات؟؟ أم أعمل منفردًا؟؟.

الثاني: إذا انتميت، فإلى أيِّها أنتمي؟؟.

وكلتا الإجابتين ليس لأحد الحق في تحديدها إلا هو وحده، ولكني أستطيع هنا أن أضع بعض الإشارات التي تنير طريق الاختيار.

أهم خطوة أن يحدد الفرد قدراته العقلية والنفسية والبدنية، وظروفه الحياتية، وما حباه الله به من مواهب ومهارات، وكمّ الوقت الذي يستطيع أن يجود به للعمل الدعوي، ومدى مناسبة هذا كله للعمل من خلال تجمع معين، ينضوي تحت لوائه، ويعمل من خلال رؤيته العامة في الإصلاح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت