فهرس الكتاب

الصفحة 18109 من 27345

يحضر الشيطان ابن آدم عند كل شأنه, حتى عند طعامه وشرابه فتنة وابتلاءً؛ بيدَ أنّه لا يعمد إلى الأشياء التافهة, فيشكك فيها, أو يطعن في حقيقتها فمثلًا: أنت تسمع بوجود مدن مهمة كبيرة مملوءة بالسكان والعمران في المشرق والمغرب, لم يخطر ببالك يومًا من الأيام الشك في وجودها أو عيبه بأنها خراب ودمار لا تصلح للسكن, وليس فيها ساكن ونحو ذلك. لأنّه لا غرض للشيطان في تشكيك الإنسان في مثل هذه الأمور, ولكن غرضه الأعظم الكبير في إفساد إيمان المؤمن, فهو يسعى بخيله ورجله ليطفيء نور العلم والهداية في قلبه, ويوقعه في ظلمة الشكِّ والحيرة, ومن هنا كانت وساوسه تتجه صوب أمرين دينيين:

أحدهما: وسوسة الشيطان في العِلْمِيَّات: وهي مسائل الاعتقاد والإيمان, وهو أشدُّ النوعين ذلك لأنّ التوحيد: هو أساس الإسلام, وصرحه الشامخ, ورأس مال المؤمن, ومن خلاله يمكن للشيطان أن ينفث سمومه ليفسد على المرء دينه, ولهذا يوجه إبليس جلَّ سهامه وجنوده لإفساد هذه العقيدة, والتشكيك في التوحيد الخالص فتنة للناس عن دين الحق, كما قال صلى الله عليه وسلم: (( إنّ عرش إبليس على البحر فيبعث سراياه فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة) (17) .

الثاني: الوسوسة في العمليات: وهي العبادات والمعاملات, فهو يحضر المسلم عند طهارته وصلاته وذكره ودعائه, وحجه وطوافه وصيامه, ليلبّس على الناس عباداتهم ويفسد عليهم طاعاتهم, عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( إنّ الشيطان إذا سمع النداء أحال له ضراط, حتى لا يسمع صوته فإذا سكت الشيطان رجع فوسوس فإذا سمع الإقامة ذهب لا يسمع صوته فإذا سكت رجع فوسوس) (18) .

وقد بسط العلماء طريقة الوقاية من هذا النوع في أبواب الفقه, وكتب الآداب والسلوك كما في (تلبيس إبليس) لابن الجوزي (وزغل العلم) للذهبي.

ومقصودنا من البحث إنما هو النوع الأول: وهو وسوسته في العقائد, فمن حيل الشيطان وألاعيبه ببعض الناس أن يزين لهم حبَّ الفضول والسؤال عما لا قِبَلَ لمخلوق أن يدركه عن الخالق عز وجل, فتقع وسوسة السؤال عن ماهية الله تعالى, ووجوده, والحكمة من خلق ما خلق, وما يقضي به تعالى من تقدير الأشياء وإيجادها خيرًا وشرًا, حلوًا ومرًا وقد يقع شيء من هذا لكثير من المؤمنين الصادقين, فيدفعونه بالاستعظام والإجلال كما أتى في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فسألوه: (( إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به, قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم. قال: ذاك صريح الإيمان) (19) . وعن عبد الله رضي الله عنه قال: سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الوسوسة, قال: (( تلك محضُ الإيمان) (20) قال الخطابي:"معناه: أنّ صريح الإيمان هو الذي منعكم من قول ما يلقيه الشيطان في أنفسكم والتصديق به, وليس معناه أنّ الوسوسة نفسها صريح الإيمان, وذلك أنها إنما تتولد من فعل الشيطان وتسويله, فكيف يكون إيمانًا صريحًا, لأنّ الإيمان: التيقن, وأنّ الإشارة إلى أنّ ما وجدوه من الخوف من الله تعالى أن يعاقبهم على ما وقع في نفوسهم: هو محض الإيمان, إذ الخوف من الله تعالى ينافي الشك فيه" (21) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت