فهرس الكتاب

الصفحة 3296 من 27345

ومن ذلك أن أحد أصحابه رضي الله عنهم قال له: أريد أن تحملني يا رسول الله على جمل . قال: لا أجد لك إلا ولد الناقة . فولى الرجل ، فدعاه ، وقال: وهل تلد الإبلَ إلا النوق ؟ ومعناه أن الجمل هو ولد الناقة الذي قال: إنه لا يجد له سواه .

وهذا يبين ما جاء عنه صلى الله عليه وسلم بإعطاء كل ذي حق حقه . فلم يكن وقته كله مستغرقا في العبادة الجدية ، ولكنه يعدل من عبادة إلى أخرى يؤلف بها القلوب ، ويؤنس بها الأرواح حتى لا تمل ، يشحنها بالراحة هنيهة ، لتواصل المسير إلى الآخرة بانشراح .

ولهذا نقل العلماء ضحكه صلى الله عليه وسلم على أنه من سننه ، وهديه . كما نقلوا صمته ، وكلامه ، وبكاءه ، ومشيته ، ونومه ، وسائر أمور حياته ، بأبي هو وأمي ، صلى الله عليه وسلم .

وهذا من شمول سيرته لجميع شؤون حياته ، تفرد بها بين سائر من ترجمت حياتهم ، وسطرت سيرهم ، فكم كانت بعض جوانب تلك السير غامضة أو مجهولة ، حتى الأنبياء والمرسلين ، كم جهل الناس من حياتهم ، إلا هو عليه صلاة الله وسلامه ، فقد كان من فضل الله علينا ، أن سطرت لنا حياته كأنما ولد تحت المجهر ، لا تخفى منها خافية ، ثبت بهذا النقل نبوته ، وصدقه ، فوالله ما نقل فيها شيء خالف فيه قولَه فعلُه ، بل كانت سجلات حياته دليلا أضيف لدلائل كثيرة أثبتت أنه رسول الله ، وخاتم النبيين ، صلى الله عليه وسلم .

فسبحان الله ، كيف رفع الله منزلته ، وأعلى قدره ، حتى تسابق الثقات ينقلون ضحكاته ويحفظونها ، فصار حتى في ضحكه عبرة وعظة ، يرويه الثقة عن الثقة .

أيها المحبون: لقد كان عليه الصلاة والسلام إذا سر استنار وجهه ، كأن وجهه قطعة قمر . رواه البخاري من حديث كعب رضي الله عنه .

وتقول عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم مستجمعا ضاحكا ، حتى أرى لهواته ، إنما كان يتبسم . أخرجه البخاري . قال ابن حجر رحمه الله: أي ما رأيته مستجمعا من جهة الضحك ، بحيث يضحك ضحكا تاما مقبلا بكليته على الضحك . اهـ .

ولكن قد جاءت أحاديث كثيرة تبين أنه صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه ، منها ما أخرجه مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعلم آخر أهل النار خروجا منها ، وآخر أهل الجنة دخولا الجنة . رجل يخرج من النار حبوا ، فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة ، فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى ، فيرجع فيقول: يا رب ، وجدتها ملأى . فيقول الله تبارك وتعالى له: اذهب فادخل الجنة . قال: فيأتيها فيخيل إليه أنها ملأى ، فيرجع ، فيقول: يا رب ، وجدتها ملأى . فيقول الله له: اذهب فادخل الجنة ، فإن لك مثل الدنيا وعشرة أمثالها ، أو إن لك عشرة أمثال الدنيا . قال: فيقول: أتسخر بي ، أو: أتضحك بي وأنت الملك ؟ قال: لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ضحك حتى بدت نواجذه . قال: فكان يقال ذاك أدنى أهل الجنة منزلة . قال النووي: وفي هذا جواز الضحك ، وأنه ليس بمكروه في بعض المواطن ، ولا بمسقط للمروءة إذا لم يجاوز الحد المعتاد من أمثاله في مثل تلك الحال ، والله أعلم .

أيها المقتدون: ألا فاعلموا أنه لا منافاة بين حديث عائشة وحديث ابن مسعود رضي الله عنهما ، فقد كان صلى الله عليه وسلم في جل أموره يتبسم ، وربما ضحك حتى تبدو نواجذه ، والنواجذ الأضراس . إلا أنه لم يكن قط يقهقه بصوت مرتفع . كما يفعله غالب الناس اليوم .

وقد تبين من مجموع الأحاديث أن ضحكه صلى الله عليه وسلم ومزاحه ، إنما كان تعبدا لله ، يتعجب أحيانا ، ويضحك تصديقا ، ويضحك إيناسا ، ولهذا ورد عنه عليه الصلاة والسلام قوله: من لقي أخاه المسلم بما يحب ليسره بذلك ، سره الله عز وجل يوم القيامة . رواه الطبراني بإسناد حسن . وخرج أيضا من حديث عمر رضي الله عنه مرفوعا: أفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمن . كسوت عورته ، أو أشبعت جوعته ، أو قضيت له حاجته .

وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وسلم: لا تحقرن من المعروف شيئا ، ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق . أخرجه مسلم .

وعنه رضي الله عنه قال: قال رسول الله ، صلى الله عليه وسلم: تبسمك في وجه أخيك لك صدقة . الحديث ، أخرجه الترمذي ، وصححه الألباني .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت