فهرس الكتاب

الصفحة 3297 من 27345

فهكذا جاءت الأخبار النبوية حاثة على التبسم وطلاقة الوجه ، وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس تبسما ، وضحكا في وجوه أصحابه ، وتعجبا مما تحدثوا به ، وخلطا لنفسه بهم ، ولربما ضحك حتى تبدو نواجذه . أخرجه الترمذي في الشمائل . وفي الصحيحين من حديث علي: يضحك مما تضحكون منه ، ويتعجب مما تعجبون منه . وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة: كانوا يتحدثون في أمر الجاهلية فيضحكون ، ويتبسم . وكان يوما يحدث أصحابه ، وعنده رجل من أهل البادية ، أن رجلا من أهل الجنة استأذن ربه في الزرع ، فقال له: ألست فيما شئت ؟ قال: بلى ، ولكن أحب أن أزرع . قال: فبذر ، فبادر الطرفَ نباتُه واستواؤه واستحصاده ، فكان أمثال الجبال ، فيقول الله: ودنك يا ابن آدم ، فإنه لا يشبعك شيء . فقال الأعرابي: والله لا تجده إلا قرشيا أو أنصاريا ، فإنهم أصحاب زرع . فضحك النبي صلى الله عليه وسلم . قال الترمذي: كان ضحك أصحابه عنده التبسم ، اقتداء به وتوقيرا له .

أيها المسلمون: إن طلاقة الوجه ، والتبسم في وجوه أصحاب المرء تورث المحبة ، وتبعث الاطمئنان في قلوبهم ، وتنشر الألفة في مجالسهم ، وتعين على نصحهم وتوجيههم ، وتؤلف بين قلوبهم ، وتحقق قوله تعالى: إنما المؤمنون إخوة . وتطبق أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله: وكونوا عباد الله إخوانا . فتبسم أيها الحبيب لترضي ربك ، ولتقتدي بنبيك صلى الله عليه وسلم . واعلم أخي الحبيب أنك لن تسع الناس بمالك ، فليسعهم منك طلاقة الوجه ، وحسن البشر . قال الحسن البصري رحمه الله: حقيقة حسن الخلق بذل المعروف ، وكف الأذى ، وطلاقة الوجه . ورواه الترمذي عن عبدالله بن المبارك . وعن عروة بن الزبير قال: مكتوب في الحكمة: ليكن وجهك بسطا ، وكلمتك طيبة ، تكن أحب إلى الناس من الذي يعطيهم العطاء . وتأمل هذه القصة فإن فيها عجبا ، قال أنس رضي الله عنه كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن الناس خلقا ، فأرسلني ذات يوم لحاجة ، فقلت: والله لا أذهب ، وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به نبي الله صلى الله عليه وسلم ، فخرجت حتى أمر على صبيان وهم يلعبون في السوق ، فإذا رسول الله قد قبض بقفاي من ورائي ، قال: فنظرت إليه وهو يضحك ، فقال: يا أنيس ، أذهبت حيث أمرتك ؟ قال: قلت: نعم ، أنا ذاهب يا رسول الله . أخرجه مسلم .

وصدق الله إذ أثنى عليه فقال: وإنك لعلى خلق عظيم . فما أعظم خلقه ، وما أحسنه ، كيف لا ؟ وهو القائل: إن من خياركم أحسنكم أخلاقا . أخرجاه . فبما رحمة من الله لنت لهم ، ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورهم في الأمر .

أعوذ بالله من الشيطان الرجيم:

لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا .

بارك الله لي ولكم في القرآن الكريم ...

الخطبة الثانية:

الحمد لله ، بعث إلينا محمدا ، وجعلنا من أمته ، أعلى الناس رأسا ، وخيرهم سؤددا .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، تعالى جده ، ما اتخذ صاحبة ولا ولدا . أحاط بكل شيء علما ، وأحصى كل شيء عددا .

وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، دل أمته إلى كل خير فأرشدا ، وبين المحجة للسالكين ، فمن أعرض عنها ضل السبيل ، ومن سلكها فاز واهتدى ، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ، تفرقت على أيدهم ظلمات الضلال ، وأشرقت بجهادهم شمس الهدى ، وسلم تسليما .

أما بعد ، فاتقوا الله عباد الله ، واجعلوا من هدي نبيكم صلى الله عليه وسلم نبراسا يقودكم للنجاة ، ويوصلكم بر الأمان ، فإن أمواج الضلال تزخر في عالمنا اليوم أشد وطأ من أمواج البحار والمحيطات ، ورياح الفتن هائجة أشد من هيجان الأعاصير العاتيات . وليس من عاصم يعصم المرء منها إلا أن يلجأ إلى السفينة فثم النجاة ، تلك السفينة التي صنعها نوح عليه السلام ، وورثها من بعده إخوانه النبيون ، ومن ورث علمهم من العلماء الربانيين ، فاستمع لنوح يتوسل ابنه: يا بني اركب معنا ، ولا تكن مع الكافرين ، وظن المفتون أن الجبال الراسيات تعصمه من خالق الأرض والسموات ،قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم .

فيا مسلم ، يا عبد الله ، دونك سفينة النجاة فاركب مع الناجين ، واسلك سبيل الفائزين ، وكن مع الوارثين ، الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت