فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
والحل هو أن الله جل وعلا بالذي فطر عليه الناس والذي يعرفه جل وعلا وعلمه من الناس أن الإنسان حين يترك أمام الحقيقة عارية ووجهًا لوجه لن يطول تأبيه عليها ، ولن يطول تمرده عليها ، والحقيقة تمثل العنصر الحي في هذا الكون المتراحب العظيم ، الحقيقة تمثل جذوة الحياة ، والإنسان برعوناته وبمواقفه الخاطئة يمثل الجانب الأكثر فسادًا في الكون ، ولا بد لعوامل الصلاح من أن تتغلب ولا بد من أن يقع الإنسان الخاطئ صريعًا أمام الحقيقة عندما تتكشف ساحة الصراع مجردة عن أهواء النفوس ، فقول الله جل وعلا ( فأعرض .. ) مؤسس على هذه القضية التي تتمتع بأحقية مطلقة ، بعد هذا يأتي الكلام ( ولله ما في السماوات والأرض ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) أين مكان التأمل في هذه الصياغة ؟ مكان التأمل أننا حين نستعرض قرآننا المكرم نلاحظ أن موضوعات الجزاء والعقاب والثواب وما أشبه غالبًا ما تتركز وتضاف إلى الدار الآخرة ، فالله جل وعلا في غالب آيات القرآن حين يتوعد ويشير إلى المصائر والنتائج يضيف ذلك إلى اليوم الآخر ، لكن في هذا الموطن من السورة جاء ذكر الجزاء غير مقرون بآخرة ولا دنيا ، جاء مطلقًا ( ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) فهل هذا الجزاء مصروف إلى الدار الآخرة أم هو جزاء ينال الخاطئين في الدنيا أم هو شيء يمسهم في الآخرة والدنيا جميعًا ؟ حينما نأخذ في اعتبارنا هذه الصياغة الموحية في القرآن الكريم ونأخذ في اعتبارنا مجرى الحياة الإنسانية البشرية نخرج باستنتاج جيد وهو أن هذه الدنيا بما يتصرف فيها الناس وما يأخذون ويعطون وبما يضطربون من شأن لا يمر فيها خطأ من غير عقوبة ، وإن عاقبة الطريق المعوج دمار وفساد ينال صاحبه في هذه الدنيا ، وحينما نرجع إلى خصائص الذات الإلهية إلى الله فنعلم أنه ليس الإله المنتقم ، وليس الإله الشرير ، وليس الإله الراغب في الدماء والدموع والآلام ، وإنما هو الإله البر الرحيم ، نضع أيدينا على قضية إنسانية في غاية الأهمية .
نحن نقول حينما نرى إنسانًا يتوّرط في الأخطاء ويكررها بالرغم من النصح والتحذير نقول دع هذا الإنسان يتعلّم على حسابه ، يتعلّم من كيسه ، ماذا يعني هذا الكلام ؟ يعني أن الإنسان لا تغنيه هذه الحقائق والوفاء لها التزامًا أن يتصوّرها عقلًا ، وأن يعتنقها عقلًا ، لا بدّ من معونة مادية ، لا بدّ من أن تعلمه حوادث الدهر ، لا بدّ أن تعلمه مجريات الأيام أن الطريق الذي هو فيه باطل ، وهو طريق خطأ لا صواب فيه . فالجزاء إذًا في الدنيا لا تُراد به العقوبة لمجرد العقوبة ، بل لعل لفت نظر الإنسان هو أظهر ما يكون في تقرير هذه القضية ( ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ) في الدنيا صاحب الباطل لا يمكن أن يسلم له باطله أبدًا ، لا بد من أن ينال عقابه ، لا بد أن يتعرض لنتائج الإعراض ، إن كل طريق معوج ينتهي إلى دمار في هذه الدنيا قبل أن يقف الناس لرب العالمين يوم الحساب يوم العرض الأكبر ، يوم تُعرضون لا تخفى منكم على الله خافية ( ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى ) .
نحن الآن في ساحة الواقع الذي كان يواجه النبي صلى الله عليه وسلم ، وقبل أن ندخل هذه الساحة لا بد أن نقول ما يلي على وجه الاختصار .
هذا الإسلام حينما نادى به رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن بتاتًا قضية تصورات وأخيلة ، ولا قضية عقليات ولا استنتاجات واستنباطات ، وإنما كان قضية حياة بكل ما يتفرّع من الحياة وبكل ما ينبني على الحياة ، مخطط كامل يتناول بالتعديل والتغيير والتبديل معتقدات الإنسان ، ويغير تصورات وطرائق تفكير الإنسان ، ويغير الأهداف والغايات التي يسعى إليها الإنسان ، ثم هو قبل ذلك وبعده لا يترك الناس لهذه الأمور التي قد تكون في بعض الأحيان غائبة ، وإنما يأخذ أمهات المسائل فيطبّ لها ، ويشرّع من أجلها ، فهو إذًا نظام يتناول بالتغيير بنية الناس الاجتماعية . وبطبيعة الحال فنحن ننادي بالإسلام ، ومحمد صلى الله عليه وسلم حينما نادى بالإسلام كان مفهومًا جدًا أن هذه الصورة المجتمعية التي كانت موجودة في المجتمع الجاهلي سوف تتعرض لتغييرات جذرية . من كان في القمة قد ينزل لأن يكون في أسفل السلم ، ومن كان ذا صوت وسلطان فقد يجرد من سلطانه وسوف يتخافت صوته . والصورة الاجتماعية لن تبقى على ما كانت عليه يتحكم فيها أبو جهل وأبو لهب وأبو سفيان وأضرابهم من زعماء الجاهلية ليبقوا في قمة المجتمع ، لأن المجتمع في بنائه الجديد لا يأذن ولا يسمح بأن تكون هذه العناصر بما تحمل من تكوين مغاير هي قمة المجتمع الجديد الوليد . إن مجتمع الإسلام بدأ يأخذ طريقه إلى التكوّن ، وبدأت تتكشّف بعض المعالم لهذا المجتمع ، وبدأ التميّز في السلوك وفي الأخلاق وفي الآفاق التي يتطلع إليها الناس ، بدأ التميز يظهر بين المجتمع الجاهلي وبين المجتمع الإسلامي الجديد .