وأرجو ألا يفهم - القارئ الكريم - أني أحجر تعظيم الحرمات على أهل العلم فحسب فيصاب البعض بالإحباط، فقد أشرت إلى أن من العامة مَن عنده تعظيم ويقين، لكنه ليس بمنزلة تعظيم ويقين الذين أوتوا العلم، وما ذكرته إنما هو إشادة بالعلم وأهله، وحث على طلب العلم حسب القدرة والطاقة.
ثانيًا: من أسباب حرمان آثار العبادات وعدم التلذذ بها:
ضعف الإخلاص لله تعالى والمتابعة للنبي - صلى الله عليه وسلم -في تلك العبادة، وهذان الأمران كما أنهما شرطان في قبول العمل،فهما أيضًا مؤثران تأثيرًا عظيما في الشعور بلذة العبادة وأثرها، ولهذا ليست العبرة بكثرة العمل،وإنما بحسنه، كما قال سبحانه ( هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملًا ) ولم يقل أكثركم عملًا،والمراد بحسن العمل هو أن يكون خالصًا لله صوابًا على سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -،كما فسره بذلك طائفة من السلف كالفضيل وغيره .
وبقدر ما يكون الإخلاص يعظم الأثر ويزداد النفع، يقول ابن القيم رحمه الله تعالى:
"والأعمال تتفاضل بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والمحبة والتعظيم والإجلال وقصد وجه المعبود وحده دون شيء من الحظوظ سواه، حتى تكون صورة العملين واحدة، وبينهما في الفضل ما لا يحصيه إلا الله، وتتفاضل أيضًا بتجريد المتابعة، فبين العملين من الفضل، بحسب ما يتفاضلان به في المتابعة، فتتفاضل الأعمال بحسب تجريد الإخلاص والمتابعة تفاضلًا لا يحصيه إلا الله تعالى" (9) ا هـ.
والشاهد من كلامه ـ رحمه الله ـ أن الأعمال إذا كان يقع بينها هذا التفاضل بسبب ما بينها من التجريد والمتابعة، فلا بد أن تكون آثارها كذلك ؛ لأن الآثار ـ في الحقيقة ـ فرع عن سلامة الأعمال من محبطاتها أو منقصات أجرها .
ثالثًا: من أسباب حرمان آثار العبادات وعدم التلذذ بها:
اقتراف الذنوب والمعاصي !
ولله ! كم لهذا السبب من أثر عميق في محق البركات السماوية والأرضية !
ومن أعظم البركات التي تمحقها الذنوب محق بركة العبادة وفقد آثارها، وحرمان لذتها ؟!
يقول الله عز وجل:"ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض،ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون".
وقد تواترت الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - التي تدل على أن ما أصاب ويصيب الأمم الغابرة واللاحقة من نقص الدين والدنيا إنما هو بسبب الذنوب،ولست بصدد الحديث عن آثار الذنوب والمعاصي، ولكنها إشارات عابرة، وأحيل القارئ الكريم في هذا إلى الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ"ومن أحيل على مليء فليحتل"في كتابه (( الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي ) )فقد شفى وكفى.
سئل وهيب بن الورد ـ رحمه الله ـ:أيجد لذة الطاعة من يعصي ؟ قال: ولا من همّ ! ـ أي من همّ بالمعصية ـ !
فإذا كان هذا أثر الهم بالمعصية فما الظن باقترافها، والولوغ فيها والإصرار عليها ؟! .
وإليك ـ أيها القارئ الفاضل ـ نفثة ربانية من كلام من نوّر الله بصائرهم بهذه الأمور، فعرفوا خطورة الذنب الواحد، فضلًا عن ذنوب كثيرة، يقول ابن الجوزي -رحمه الله-:
"وربما كان العقاب العاجل معنويًا، كما قال بعض أحبار بني إسرائيل:يا رب كم أعصيك ولا تعاقبني ؟ فقيل له: كم أعاقبك وأنت لا تدري!أليس قد حرمتك حلاوة مناجاتي ؟...إلى أن قال:فرب شخص أطلق بصره فحرم اعتبار بصيرته، أو لسانه فحرم صفاء قلبه، أو آثر شبهة في مطعمه فأظلم سره، وحرم قيام الليل وحلاوة المناجاة، إلى غير ذلك...وهذا أمر يعرفه أهل محاسبة النفس (10) "ا هـ .
ويقول الإمام ابن القيم ـ رحمه الله تعالى ـ عندما تحدث عن عقوبات الذنوب والمعاصي:
"ومن عقوبات الذنوب أنها تضعف في القلب تعظيم الرب جل جلاله، وتضعف وقاره في قلب العبد ولا بد، شاء أم أبى، ولو تمكن وقار الله وعظمته من قلب العبد لما تجرأ على معاصيه ... إلى أن قال:فإن عظمة الله تعالى وجلاله في قلب العبد تقتضي تعظيمَ حرماته، وتعظيمُ حرماته تحول بينه وبين الذنوب (11) "ا هـ .
والمقصود هنا بيان أثر الذنوب في حرمان لذة العبادة،وآثارها على سلوك الفرد .
وبعد هذا، فلنلج إلى لب هذه الورقة، للحديث عن شيء من الآثار السلوكية للحج، في المحور الآتي بحول الله.
المحور الثالث: آثار الحج السلوكية
وقبل أن أذكر هذه الآثار، يقال: لا يخفى أن الحج عبادة من أعظم العبادات، رتب الشرع عليه ثوابا عظيما لمن كان حجه مبرورا، كما قال عليه الصلاة و السلام ـ فيما رواه الشيخان ـ"الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة"، وعندهما أيضًا أنه - صلى الله عليه وسلم - قال"من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كما ولدته أمه".
وهذه الفضيلة العظيمة إحدى بل هي من أجل المنافع التي أشار إليها تبارك وتعالى بقوله: (ليشهدوا منافع لهم) ، وتأمل ـ أيها القارئ الكريم ـ قوله: (منافع) فهي عامة في المنافع الدينية والدنيوية .