والمتأمل في الحج يجد أن أعظم مقاصده هو تحقيق العبودية لله عز وجل ، وتوحيدُه بإفراده وحده ـ سبحانه بالعبادة ـ ولهذا لما ذكر الله عز وجل جملة من آيات الحج قال: (ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، فإلهكم إله واحد فله أسلموا، وبشر المخبتين ) [الحج:34] .
قال بعض أهل العلم (12) في تفسيره لهذه الآية:"إن أجناس الشرائع وإن اختلفت في بعض التفاصيل فهي متفقة على هذا الأصل وهو ألوهية الله، وإفراده بالعبودية، وترك الشرك به، ولهذا قال ( فله أسلموا ) أي: انقادوا واستسلموا له لا لغيره، فإن الإسلامَ له، هو الطريق الموصل إلى دار السلام وهي الجنة"ا هـ .
إن مظاهر التسليم والانقياد في هذه العبادة واضحةٌ جدًا، ولهذه المظاهر أثر عظيم على زيادة الإيمان، واستقامة السلوك .
إذا عُلِمَ هذا، فليس من المستغرب أن تكون جميع المظاهر التي يراها المسلم إنما هي نابعة من شجرة التوحيد المباركة، ولا يمكن أن تنفصل عنه، حتى ما قد يظنه البعض من أنه مظهر اجتماعي أو نحو ذلك، فإنه عند التأمل فرع من فروع تلك الشجرة التي أصلها ثابت وفرعها في السماء، فاجتماع المسلمين، وتآلفهم، وتعارفهم على بعض هو من ثمار الموالاة لأهل (لا إله إلا الله) .
والمقصود أن مظاهر التوحيد في الحج كثيرة، تبرز للمسلم في كل موقف من المواقف التي تتصل بنسكه، ولعلي أبدأ بأول هذه المواقف مع الإشارة إلى بعض آثارها السلوكية:
الموقف الأول:
عندما يسافر الإنسان إلى البيت الحرام لأداء شعيرة الحج، ألا يستشعر مِنّة الله عليه وفضلَه، أن هداه لهذا السفر المبارك في الوقت الذي يسافر فيه البعض من المسلمين يمنة ويسرة لإمضاء إجازة العيد للترويح، أو لتحصيل شهوة قد تكون محرمة، أو يسافر إلى بلاد الكفر من غير حاجة أو ضرورة ! وهل يتذكر - المسلم - نعمة الله عليه أن يسر له السفر والوصول إلى تلك البقاع المقدسة، في الوقت الذي يتمنى ويشتاق كثير من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها الوصول إلى البيت فلا يستطيعون إما لقلة ذات أيديهم أو لغير ذلك من الموانع ؟! ولهذا لما رأى بعض الصالحين الحجاج وقت خروجهم من بلدهم إلى مكة يريدون الحج وقف يبكي ويقول: واضعفاه .. ثم تنفس وقال: هذه حسرة من انقطع عن الوصول إلى البيت، فكيف تكون حسرة من انقطع عن الوصول إلى رب البيت .
ولعل البعض قرأ قصة ذلك المسلم الذي قدم من الجمهوريات الإسلامية -بعد سقوط الشيوعية - فلما وصل إلى المسجد الحرام ورأى الكعبة بكى بحرقة، وأخذ يتذكر ويقول: هذا بيت الله الذي كان يحدثنا عنه والدي، والذي كان يتحرق شوقًا إلى رؤيته لكنه منع من قبل طواغيت الكفر، فمات قبل أن يراه .
الموقف الثاني:
في لباس الإحرام يتجرد المسلم من اللباس الذي اعتاده، إلى لباس يستوي فيه الجميع:الغني والفقير، والأمير والحقير، وهو تأكيد لأصل عظيم في هذا الدين، ألا وهو أن الناس سواء لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى:
أرى الناس أصنافا ومن كل بقعة * * *إليك انتهوا من غربة وشتات
تساووا فلا أنساب فيها تفاوت* * *لديك ولا الأقدار مختلفات
وقول الله أبلغ: ( يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير ) .
هذا المشهد العظيم يبعث في النفس آثارًا عظيمة، منها: أن توحيد اللباس فيه إشارة إلى توحيد الكلمة، والمقصد، (فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين ) .
ومنها: أن الناس في ميزان العبودية سواء، الله ربهم وهم عبيده، فأكرمهم عنده أتقاهم، وأرفعهم منزلة من زاد ذله لمولاه، وعَظُمَ انكساره بين يدي ربه، وكًثُرَ طرقه لباب سيده، أما مناصب الدنيا فلا وزن لها هنا.
الموقف الثالث:
التلبية، وما أدراك ما لتلبية ؟ التي تستمر مع الحاج منذ تلبسه بالحج إلى أن يرمي جمرة العقبة يوم العيد، هذا النداء الخالد الذي يعلن فيه العبد استجابته لنداء الله الذي أعلنه إبراهيم عليه الصلاة والسلام كما في قوله سبحانه: ( وأذن في الناس بالحج ) هذه التلبية التي قال عنها جابر ـ رضي الله عنه ـ في وصفه لحجة المصطفى - صلى الله عليه وسلم -:"فأهل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتوحيد"، وتأمل قوله"بالتوحيد"، وذاك لأمرين:
أحدهما: أن أهل الجاهلية كانوا إذا لبوا قالوا"لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك"فكانوا يشركون في التلبية .
الثاني: أن هذه الجملة العظيمة اشتملت على أنواع التوحيد الثلاثة:الربوبية والألوهية والأسماء والصفات، فقوله ( الملك لك ) إشارة إلى توحيد الربوبية، وقوله ( لبيك لا شريك لك ) إشارة إلى الألوهية، وقوله ( إن الحمد والنعمة لك ) إشارة إلى توحيد الأسماء والصفات .