فهرس الكتاب

الصفحة 6397 من 27345

سادسًا: هياج الذكريات الجميلة، ففي الحج تهيج الذكريات الجميلة: وهذا سر بديع من أسرار الحج؛ العزيزة على كل قلب مسلم، وما أكثر تلك الذكريات، وما أجمل ترددها على الذهن؛ فالحاج على سبيل المثال يتذكر أبانا إبراهيم الخليل - عليه السلام - فيتذكر توحيده لربه، ومُهاجرَه في سبيله، وكمال عبوديته، وتقديمه محابَّ ربِّه على محابِّ نفسه، ويتذكر ما جرى له من الابتلاءات العظيمة، وما حصل له من الكرامات، والمقامات العالية، ويتذكر أذانه في الحج، ودعاءه لمكة المكرمة، وبركات تلك الدعوات التي ترى آثارها إلى يومنا الحاضر.

ويتذكر الحاج ما كان من أمنا هاجر - عليها السلام - فيتذكر سعيها بين الصفا والمروة؛ بحثًا عن ماء تشربه؛ لتدر باللبن على وليدها أبينا إسماعيل ذلك السعي الذي أصبح سنة ماضية، وركنًا من أركان الحج.

ويتذكر أبانا إسماعيل - عليه السلام - فيمر بخاطره مشاركة إسماعيل لأبيه إبراهيم في بناء الكعبة، ويتذكر ما كان من بر إسماعيل بأبيه؛ حيث أطاعه لما أخبره بأن الله يأمره بذبحه، فما كان من إسماعيل إلا أن قال: (افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين) .

ويتذكر الحاج أن مكة هي موطن النبي -صلى الله عليه وسلم- ففيها ولد وشب عن الطوق، وفيها تنزل عليه الوحي، ومنها شعَّ نور الإسلام الذي بدد دياجير الظلمات.

ويتذكر من سار على تلك البطاح المباركة من أنبياء الله ورسله، وعباده الصالحين؛ فيشعر بأنه امتداد لتلك السلسلة المباركة، وذلك الركب الميمون.

ويتذكر الصحابة - رضي الله عنهم - وما لاقوه من البلاء في سبيل نشر هذا الدين.

ويتذكر أن هذا البيت أول بيت وضع للناس وأنه مبارك وهدى للعالمين.

بلدة عظمى وفي آثارها *** أنفعُ الذكرى لقوم يعقلونْ

شبَّ في بطحائها خيرُ الورى *** وشبا في أُفِقْها أسمحُ دينْ

فهذه الذكريات الجميلة تربط المؤمن بأكرم رباط، وتبعث في نفسه حبَّ أسلافه الكرام، والحرصَ على اتباع آثارهم، والسير على منوالهم.

ثم إن الحاج إذا عاد من رحلة حجه حمل معه أغلى الذكريات، وأعز َّها على نفسه؛ فتظل نفسُه متلهفةً للعودة إلى تلك البقاع المباركة، وما أجمل قول من قال في ذكرى الحج ومنافعه:

أيا عذبات البان من أيمن الحمى *** رعى الله عيشًا في رباك قطعناه

سرقناه من شرخ الشباب وروقه *** فلما سرقنا الصفوَ منه سُرِقْنَاه

وعادت جيوشُ البين يقدمها القضا *** فبدد شملًا في الحجاز نضمناه

ونحن لجيران المُحصَّب جيرةٌ *** نُوفِّ لهم عهد الوداد ونرعاه

فهاتيك أيام الحياة وغيرُها *** ممات فيا ليت النوى وما شهدناه

فيا ليت عنا أغمض البين طرفه *** ويا ليت وقتًا للفراق فقدناه

وترجع أيام المحصب من منى *** ويبدو ثراه للعيون وحصباه

وتسرح فيه العِيْسُ بين ثُمامه *** وتستنشق الأرواح نشر خُزاماه

نحِنُّ إلى تلك الربوع تشوقًا *** ففيها لنا عهد وعقد عقدناه

وربِّ برانا ما نسينا عهودكم *** وما كان من ربع سواكم سلوناه

ففي ربعهم لله بيت مباركٌ *** إليه قلوب الخلق تَهْوِي وتهواه

يطوف به الجاني فيُغفرُ ذنبه *** ويسقط عنه جرمه وخطاياه

فكم لذةٍ كم فرحةِ لطوافه *** فلله ما أحلا الطوافَ وأهناه

نطوف كأنا في الجنان نطوفها *** ولا همَّ لا غمٌ فذاك نفيناه

فيا شوقنا نحو الطواف وطِيبه *** فذلك شوقٌ لا يحاط بمعناه

فمن لم يذقه لم يذق قط لذةً *** فَذُقْهُ تذق يا صاحِ ما قد أُذِقْنَاه

أيها الحاج الكريم أسأل الله أن يجعل حجك مبرورًا، وسعيك مشكورًا، وذنبك مغفورًا، وأن يعيد علينا وعليك وعلى أمة الإسلام من بركات الحج.

وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت