من أجل ذلك وجب أن يتسلح الشعب بالوعي الذي يحصنه ضد هذه الإجراءات ويقيه من التأثر بها ويفوت عل العدو أغراضه، وذلك بالحرص على كتمان الأسرار وعدم ترويج الشائعات، ومعاونة السلطات في الإرشاد عن الجواسيس وكبح شهوة الكلام والثرثرة والتحدث بدون حرص أمام من يعرفه ومن لا يعرفه.
والحق أن توجيهات الإسلام في هذا المجال تجعل"الصمت"جوهر الوعي الأمن فهو المانع الأصيل والأكيد، لإفشاء ا لأسرار، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت) [متفق عليه] ، (من سره أن يسلم فليلزم الصمت) [رواه البيهقي في شعب الإيمان] .
خامسا: دور الدعاة وأجهزة الإعلام:
يوجه الإسلام إلى حشد كل الوسائل التي تدخل في مجال"الجهاد باللسان"الذي أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله: ( جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم) [رواه أحمد والنسائي وصححه وغيرهما] ، وتدخل أيضا في مجال النصح لله وللرسول كما يستوحى من قول الله تعالى: {ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم} [التوبة 91] .
والنصح العام ركن من الأركان المعنوية للإسلام، به عز المسلمون الأوائل وانتصروا على أعدائهم، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: (الدين النصيحة) ، فقيل: لمن يا رسول الله؟ قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولائمة المسلمين وعامتهم) ، فالنصح العام في حالة الحرب يكون في كل ما فيه مصلحة للأمة وللمجاهدين منها، ومن ذلك ما يلي:
1-إعلام أبناء الأمة بطبيعة الحرب ومتطلباتها وتضحياتها وتزويدهم بالمعلومات والبيانات عن حقائق الموقف أو القتال وتبصيرهم بأهداف العدو وبواجباتهم ومسؤولياتهم تجاه القضية التي يقاتلون من أجلها أو الأخطار المحدقة بأمتهم.
2 -توظيف الإنتاج الأدبي والفني والثقافي وتوجيهه نحو خدمة الأهداف الوطنية والتعبئة المعنوية لأبناء الأمة.
3 -غرس وعي الأمن ومقاومة أساليب العدو في الحرب النفسية والدعاية وكل ما يستهدف تدمير الروح المعنوية للشعب والجيش وتفتيت الجبهة الداخلية.
4 -قيام الدعاة والعلماء والمصلحين وحملة الأقلام بتزويد الأمة بسلاح العلم والإيمان وعلاج الأمراض الاجتماعية ومحاربة السلبية والجهل والترف، والإسراف والتبذير، وتنمية الإرادة القتالية في أبنائها.
5 -الإعلام الخارجي والنشاط السياسي والدبلوماسي الذي يستهدف شرح قضية الأمة على الصعيد الدولي، وكسب تأييد الرأي العام العالمي وفضح أهداف العدو وفرض العزلة عليه، وتحييد القوى الأخرى التي قد يسعى العدو إلى جذبها نحوه، ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم خير أسوة في هذا المجال بعقده المعاهدات مع القبائل العربية في شبه الجزيرة لكفالة حرية الدعوة من ناحية وكفالة حسن الجوار والمعاملة من ناحية أخرى، وبكتبه إلى الملوك والرؤساء والأمراء في بلاد الروم وفارس والشام ومصر والحبشة واليمن وغيرها لدعوتهم إلى الإسلام.
[1] فيكونت مونتجمري: الحرب عبر التاريخ ج 1 ص 23.
[2] المقياس العلمي للنصر في الحرب هو أن يتم هذا النصر بدون أو بأقل قدر من الخسائر في الأرواح والمعدات وفي أقل وقت، من أجل ذلك لا يعد نصرا حقيقيا بالمقياس العلمي ذلك النصر الذي تدفع به الشعوب والجيوش ثمنا أكبر من اللازم في الأرواح وفي المعدات وتستغرق في الحصول عليه وقتا أطول من اللازم.
[3] "مات ميتة جاهلية"أي على هيئة موت أهل الجاهلية، فإنهم كانوا لا ينضمون إلى جماعة واحدة بل كانوا فرقا وعصائب يقاتل بعضها بعضا و"تحت راية عمية"- بضم العين وكسرها وتشديد الميم - أي من قاتل تحت راية اجتمع أهلها على أمر مجهول لا يعرف أنه حق أو باطل يدعون إليه ويقاتلون لأجله من غير بصيرة فيه ولا حجة علي