فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
وهو يسمي نقاط الجذب الخادعة في العقيدة الماركسية بالخمور الفكرية، ويعتبر الوقوع في إسارها مرضًا وإدمانًا وجبنًا عقليًا"لقد كان تمسكي بآخر خيط من هذا الوهم البالي - يقول الرجل - نموذجًا للجبن العقلي الذي لا يزال مسيطرًا على اليساريين. إن الإدمان والانعكاف على الأسطورة السوفييتية مرض متشبت وعصيّ على العلاج كأي إدمان آخر، ولا يكاد الإنسان يهبط من الفردوس حتى يعاوده الإغراء بأن يتذوق منها ولو نقطة واحدة، ولو كانت مغشوشة بالماء وتُباع تحت اسم آخر. ولن يعدم الإنسان أن يجد في سوق (الشيوعية الدولية) السوداء عددًا من الأسماء والعناوين الجديدة للمبادئ القديمة. إن هذه الشيوعية تتاجر في العناوين والشعارات كما يتاجر مروجو الخمور الممنوعة في أنواعها الزائفة المقلدة، وكلما كان العميل أقرب إلى السذاجة، سهل عليه أن يصبح ضحية لأنواع الخمور الفكرية التي تُباع تحت عناوين (السلام) و (الديموقراطية) و (التقدم) وما شئت من هذه التسميات" (2) .
ويستنتج كوستلر"بأن الأقلية الضئيلة فقط في كل عصر وفي كل عقيدة هي التي تستطيع أن تعرض نفسها للطرد والحرمان، وتقضي على عواطفها في سبيل الحقيقة المجردة" (3) .
وقد كان كوستلر نفسه واحدًا من هذه الأقلية، أما الأكثرية الساحقة فقد استمرت تمارس جبنها العقلي وإدمانها.
ذلك أنه ليس ثمة بديل قد يمنح الخارجين القناعات الكافية لتسويغ وجود أي منهم كمثقف وكإنسان ..
ومع ذلك فإن محاولات الخروج قد ازدادت طردًا مع الأيام ليس بسبب من توافر البديل، ولكن لتزايد التناقضات التي شهدتها التجرب،ة والتي لم تعد تغري بالبقاء، حتى بالنسبة لأولئك الجبناء، أو المدمنين!
ثمة حالات قليلة واستثنائية كان المثقف الغربي يحظى فيها بالبديل المرتجى الذي يمنحه القناعة والمسوّغ والتوازن بأكثر مما فعلته الماركسية.
بعض هؤلاء التقوا به عبر سنيّ البحث فعانقوه قبل أن يقعوا في مصيدة الإغواء الماركسي، وبعضهم تمرّد على الإغواء، وهرعوا لكي يجدوا مصيرهم هناك.
إن ليوبولد فايس يقدم لنا نموذجًا للحالة الأولى، وروجيه غارودي للحالة الثانية. وكلاهما يملك عقلًا كبيرًا ويمثل باتساع ثقافته وتنوع خبرته حصيلة الثقافة الغربية العميقة وغنى خبراتها .. ومعنى ذلك أن هذه الثقافة لم تجد في مكوناتها الخاصة بها، على ازدحامها وكثافتها، ما يمنح بعض العقول الكبيرة القناعة والتوازن واليقين .. بالعكس، فإن هذا الغنى الثقافي ليكشف أكثر فأكثر ضرورة أن تكون هناك قاعدة أساسية تنبثق عنها هذه الثقافة.. عقيدة شاملة بعبارة أخرى .. فالثقافة وحدها لا تكفي، وهي تميل إذا لم تستند إلى أرضية عقيدية أو رؤية شمولية مقنعة لأن تتبعثر وتتشتت وتجرّ معها الإنسان إلى التبعثر والتشتت.
ومن خلال هذه المعاناة برزت على الساحة الغربية ظاهرة (اللاانتماء) التي حدّثنا عنها الناقد البريطاني كولن ولسون في كتابيه المعروفين (اللامنتمي) و (سقوط الحضارة) فاأطال الحديث. إن كبار المفكرين والفنانين والأدباء والفلاسفة، هناك لم يقدروا على التحقق الذاتي في إطار ثقافتهم تلك، بل لم يجدوا أوليات التوازن واليقين في خضم هذه الثقافة المتلاطم، الكالح، العميق.
وكانت مأساتهم تكمن في أنهم كانوا يعون هذا الانفصال المحزن بين الإنسان، فردًا ومجتمعًا، وبين ثقافته .. وإذا اندفعت قيادات هذه الثقافة وقواعدها نحو نوع من الاندماج أو النسيان - ربما - بسبب من تضاؤل وعيها بانعدام التوازن أو التلاؤم بين الإنسان الغربي وبين أرضيته الثقافية، نجد بالمقابل ذلك التيار المضادّ .. حشد من المثقفين الكبار يتمردون على ثقافة بلغت بهم شوطًا من الطريق، وهم يريدون أن يواصلوا الرحلة صوب المصير فلا تقدر معطياتهم الثقافية على إعطائهم المزيد.. لقد امتلكوا العالم كما يقول كولن ولسون.. ثم ماذا بعد؟
إن الإنسان بطبيعة تركيبه ذي النزوع إلى الماورائيات يريد أن يتجاوز العالم إلى الكون .. جدران المادية إلى الروح .. الطبيعة إلى ما وراءها .. السلطة إلى الحرية .. إنه يريد أن يكسر الأسوار وينطلق بحثًا عن الإله المفقود!
بعبارة أخرى إنهم يريدون العقيدة التي تلبي نزوعهم الكبير، وإن المرء ليلمس بوضوح هذا التوجه صوب العقيدة ليس فقط في كتب (ولسون) ، ولكن في معظم المؤلفات التي أبحر أصحابها في الطريق ذاته، وحاولوا أن يعالجوا أزمة الوجود الثقافي الغربي على ضوء المصير المقفل، والدرب المسدود!
ومرة أخرى فإننا على ضوء هذه الأزمة التي تعانيها الثقافة الغربية نستطيع أن ندرك لماذا توجّه حشد من المثقفين عبر الربع الثاني من هذا القرن صوب الماركسية، إنه لم يكن توجهًا حرًا بمعنى الكلمة، ولكنه ارتماء المرهقين الباحثين عن الخلاص بأي طريقة، ومن خلال أي برنامج يمتلك رؤية عقديّة شاملة، حتى ولو كان الذي يصوغها هو الشيطان.