فهرس الكتاب

الصفحة 2278 من 27345

ومن كانت هذه حاله؛ يشتد عليه غاية الشدة أن يؤذى، ويشق عليه غاية المشقة الإقدام على ما يعرضه لأن يؤذى، ويتأكد ذلك في جنس ذاك الإيذاء: هذا يسخر منه، وهذا يسبه، وهذا يبصق في وجهه، وهذا يحاول أن يضع رجليه على عنقه إذا سجد لربه، وهذا يضع سلى الجزور على ظهره وهو ساجد، وهذا يأخذ بمجامع ثوبه ويخنقه، وهذا ينخس دابته حتى تلقيه، وهذا عمه يتبعه أنى ذهب يؤذيه، ويحذر الناس منه، ويقول: إنه كذاب، وإنه مجنون.

وهؤلاء يغرون به السفهاء، فيرجمونه حتى تسيل رجلاه دمًا، وهؤلاء يحصرونه وعشيرته مدة طويلة في شعب ليموتوا جوعًا، وهؤلاء يعذبون من اتبعه بأنواع العذاب، فمنهم من يضجعونه على الرمل في شدة الرمضاء ويمنعونه الماء، ومنهم من ألقوه على النار حتى ما أطفأها إلا ودك ظهره، ومنهم امرأة عذبوها لترجع عن دينها فلما يئسوا منها طعنها أحدهم بالحربة في فرجها فقتلها.

كل ذلك لا لشئ إلا أنه يدعوهم إلى أن يخرجهم من الظلمات إلى النور، ومن الفساد إلى الصلاح، ومن سخط الله إلى رضوانه، ومن عذابه الخالد إلى نعيمه الدائم، ولم يلتفوا إلى ذلك مع وضوح الحجة، وإنما كان همهم أنه يدعوهم إلى خلاف هواهم .

ومن وجه آخر ابتلى الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بأن قبض أبويه صغيرًا، ثم جده ثم عمه الذي كان يحامي عنه، ثم امرأته التي كانت تؤنسه، وتخفف عنه، ثم لم يزل البلاء يتعاهده صلى الله عليه وآله وسلم- وتفصيل هذا يطول- هذا وهو سيد ولد آدم، وأحبهم إلى الله عز وجل .

فتدبر هذا كله؛ لتعلم حق العلم ما نتنافس فيه ونتهالك عليه من نعيم الدنيا وجاهها ليس هو بشئ في جانب رضوان الله والنعيم الدائم في جواره، وأن ما نفرّ منه من بؤس الدنيا ومكارهها ليس هو بشيء في جانب سخط الله، وغضبه والخلود في عذاب جهنم، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِي الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ] رواه مسلم .

ثالثًا: يفكر في حاله بالنظر إلى أعماله من الطاعة والمعصية: فأما المؤمن فإنه يأتي الطاعة راغبًا نشيطًا لا يريد إلا وجه الله والدار الآخرة، فإن عرضت له رغبة في الدنيا فإلى الله فيما يرجو معونته على السعي للآخرة، فإن كان ولا بد ففيما يغلب على ظنه أنه لا يثبطه عن السعي للآخرة.

وهو على كل حال متوكل على الله، راغب إليه أن يختار له ما هو خير وأنفع، ثم يباشر الطاعة خاشعًا، مستحضرًا أن الله يراه ويرى ما في نفسه، ويأتي بها على الوجه الذي شرعه الله، وهو مع ذلك كما قال الله تعالى:...يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ [60] } [سورة المؤمنون] . فهو يخاف ويخشى أن لا تكون نيته خالصة، وذلك أن النية الصالحة قد تكون من قوي الإيمان، وقد تكون من ضعيفه، الذي إنما يطيع احتياطًا، وقد لا تكون خالصة بل يمازجها رغبة في ثواب الدنيا لأجل الدنيا، أورغبة في الآثار الطبيعية ككسر الشهوة حيث لا يشرع، وكتقوية النفس. وكمنفعة البدن كالذي يصوم ليصح، ويصلي التراويح لينهضم طعامه .

وكحب الترويح عن النفس كالذي يأتي الجمعة ليتفرج، ويلقى أصحابه، ويقف على أخبارهم . وكمراعاة الناس لكي يمدحوه، ويثنوا عليه، فيعظم جاهه، ويصل إلى أغراضه ولا يمقتوه... إلى غير ذلك من المقاصد. كالعالم يريد أن يراه الناس ويعظموه ويستفتوه، فيشتهر علمه ويعظم جاهه، وغير ذلك .

والمؤمن- ولو خلصت نيته في نفس الأمر- لا يستطيع أن يستيقن ذلك من نفسه . والمؤمن يخاف ويخشى أن لا يكون أتى بالطاعة على الوجه المشروع، وهكذا تستمر خشية المؤمن بالنظر إلى طاعاته السالفة، يرجو أن يكون قبلها الله بعفوه وكرمه، ويخشى أن يكون ردت لخلل فيها- وإن لم يشعر به- أو لخلل في أساسها وهو الإيمان .

هذه حال المؤمن في الطاعات، فما عسى أن تكون حاله في المعاصي؟ وقد قال الله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [201] وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ [202] } [سورة الأعراف] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت