فهرس الكتاب

الصفحة 2279 من 27345

فالمؤمن يتصارع إيمانه وهواه، فقد يطيف به الشيطان، فيغفله عن قوة إيمانه، فيغلبه هواه فيصرعه، وهو حال مباشرة المعصية ينازع نفسه، فلا تصفوا له لذتها، ثم لا يكاد جنبه يقع على الأرض، حتى يتذكر، فيستعيد قوة إيمانه، فيعض أنامله أسفًا وحزنًا على غفلته التي أعان بها عدوه على نفسه، عازمًا على أن لا يعود لمثل تلك الغفلة .

وأما إخوان الشياطين، فتمدهم الشياطين في الغي فيمتدون فيه، ويمنونهم الأماني فيقنعون، فمن الأماني أن يقول: الله قدره علي، فما شاء فعل .. قد اختلف العلماء في حرمة هذا الفعل، قد اختلفوا في كونه كبيرة، والصغائر أمرها هين .. لي حسنات كثيرة تغمر هذا الذنب .. لعل الله يغفر لي .. لعل فلانًا يشفع لي .. سوف أتوب !

وأحسن حاله أن يقول: أستغفر الله، ويرى أنه قد تاب ومحي ذنبه، قال الله تعالى: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ... [169] } [سورة الأعراف] .

وفي الصحيحين عن عبد الله بن مسعود قال:' إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَأَنَّهُ قَاعِدٌ تَحْتَ جَبَلٍ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ وَإِنَّ الْفَاجِرَ يَرَى ذُنُوبَهُ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَقَالَ بِهِ هَكَذَا ' .

رابعًا:يفكر في حاله مع الهوى:

افرض أنه بلغك أن رجلًا سب إمامك، وآخر سب إمامًا آخر، أيكون سخطك عليه وسعيك في عقوبته وتأديبه أو التنديد به موافقًا لما يقتضيه الشرع فيكون غضبك على الأول والثاني قريبًا من السواء؟

افرض أنك قرأت آية فلاح لك منها موافقة قول لإمامك، وقرأت أخرى فلاح لك منها مخالفة قول آخر له، أيكون نظرك إليهما سواء، لا تبالي أن يتبين منها بعد التدبر صحة ما لاح لك، أوعدم صحته ؟

افرض أنك وقفت على حديثين لا تعرف صحتهما ولا ضعفهما، أحدهما يوافق قولًا لإمامك، والآخر يخالفه، أيكون نظرك فيهما سواء، لا تبالي أن يصح سند كل منهما، أويضعف ؟

افرض أنك نظرت في مسألة قال إمامك قولًا، وخالفه غيره، ألا يكون لك هوى في ترجيح أحد القولين، بل تريد أن تنظر لتعرف الراجح منها فتبين رجحانه؟

افرض أن رجلًا تحبه، وآخر تبغضه تنازعا في قضية، فاستفتيت فيها، ولا تستحضر حكمها، وتريد أن تنظر ألا يكون هواك في موافقة الذي تحبه؟

افرض أنك وعالمًا تحبه، وآخر تكرهه أفتى كل منكم في قضية وأطلعت على فتويي صاحبيك فرأيتهما صوابًا، ثم بلغك أن عالمًا آخر اعترض على واحدة من تلك الفتاوى، وشدد النكير عليها، أتكون حالك واحدة سواء أكانت هي فتواك، أم فتوى صديقك، أم فتوى مكروهك ؟

افرض أنك تعلم من رجل منكرًا وتعذر نفسك في عدم الإنكار عليه، ثم بلغك أن عالمًا أنكر عليه وشدد النكير، أيكون استحسانك لذلك سواء فيما إذا كان المنكِر صديقك أم عدوك، والمنكَر عليه صديقك أم عدوك ؟

فتش نفسك تجدك مبتلى بمعصية أونقص في الدين، وتجد من تبغضه مبتلى بمعصية أونقص آخر ليس في الشرع بأشد مما أنت مبتلى به؟ فهل تجد إستشناعك ما هو عليه مساويًا لاستشناعك ما أنت عليه، وتجد مقتك نفسك مساويًا لمقتك إياه؟

وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى، ولم يكلف العالم بأن لا يكون له هوى؟ فإن هذا خارج عن الوسع، وإنما الواجب على العالم أن يفتش نفسه عن هواها حتى يعرفه، ثم يحترز منه، ويمعن النظر في الحق من حيث هو حق، فإن بان له أنه مخالف لهواه؛ آثر الحق على هواه .

والعالم قد يقصر في الاحتراس من هواه ويسامح نفسه، فتميل إلى الباطل، فينصره، وهو يتوهم أنه لم يخرج من الحق ولم يعاده، وهذا لا يكاد ينجوا منه إلا المعصوم، وإنما يتفاوت العلماء:

فمنهم: من يكثر الاسترسال مع هواه: ويفحش حتى يقطع من لا يعرف طباع الناس، ومقدار تأثير الهوى بأنه متعمد.

ومنهم: من يقل ذلك منه ويخف: ومن تتبع كتب المؤلفين الذين لم يسندوا اجتهادهم إلى الكتاب والسنة رأسا؛ً رأى فيها العجب العجاب، ولكنه لا يتبين له إلا في المواضع التي لا يكون له فيها هوى، أو يكون هواه مخالفًا لما في تلك الكتب، على أنه إذا استرسل مع هواه زعم أن موافقيه براء من الهوى، وأن مخالفيه كلهم متبعون للهوى . وقد كان من السلف من يبلغ في الاحتراس من هواه حتى يقع في الخطأ الآخر، كالقاضي يختصم إليه أخوه وعدوه، فيبالغ في الاحتراس حتى يظلم أخاه، وهذا كالذي يمشي في الطريق ويكون عن يمينه مزلة فيتقيها ويتباعد عنها، فيقع في مزلة عن يساره !

خامسًا: يستحضر أنه على فرض أن يكون فيما نشأ عليه باطل، لا يخلو عن أن يكون قد سلف منه تقصير أو لا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت