دويُّ الشِّعارات الخالية من النهج والتخطيط أرهق الأُمة، ودفعها إلى انتكاسات بعد انتكاسات، ومأساة بعد مأساة، وادعاء النصر مع الهزيمة، وخاصة في قضايانا العامة السياسية وغيرها.
ولا أزال أعيد وأؤكد الموعظة التي أُردّدها مع كل مناسبة، تلك هي:
"أنه إذا التقى فريقان، فريق له نهجه وخطته وإعداده، وفريق لا نهج له ولا خُطَّة ولا إعداد، فإِنَّ الفريق الأول يستطيع أن يحوّل جهود الفريق الثاني لصالحه، ويبقى الفريق الثاني مع بذله لم يجن شيئًا."
والغريب العجيب أننا مع كثرة الأحداث، والمواعظ التي تحملها الأحداث، مازلنا نمضي على نفس الأُسْلوب من الارتجال والعفويّة، ومن عدم التبيّن ومن اعتماد الظنّ المنهيّ عنه، ومن عدم توافر الدراسات العميقة، كأَنَّنا لا نستفيد من الأحداث والتجارب، ولا من آيات الله البيّنات وسننه فيها.
فَلْيقِف المسلم المؤمن الصادق مع ربّه ومع نفسه، فَليَقف اليوم يستعيد أهم الأحداث والقضايا، ولْيُحاولْ أن يتلمَّس أَين الخُطَّة وأَين النَّهج الذي سارت عليه تلك الأحداث والقضايا ! فَلْيَقف المسلمُ اليوم يسترجع الأحداث حدثًا حدثًا ولْينظرْ إلى أيِّ نتيجة آلت إليه الأحداث.
وقد يتساءل بعضهم ما معنى النهج والخُطة ؟ ! ما هو التخطيط ؟ ! أليس الذي يجري هو التخطيط ؟ ! ذلك أن كثيرًا من الناس لا يدركون ما هو التخطيط ولا ما هو النهج، في الوقت الذي أصبح فيه النهج والتخطيط علمًا، وقبل ذلك هو واضح في الكتاب والسنة وسيرة النبوّة الخاتمة وسيرة الخلفاء الراشدين.
في إحدى تنقّلاتي في أرض الله الواسعة لأبيّن بعض ما أراه من خلل وعيوب، وما أراه من الارتجال والشعارات، وما أعتقده من علاج وإِصلاح، أخذتُ أشرح أهميّة التخطيط وضرورته وخطر غيابه. كنت أشرح ذلك لقائد موجّه داعية ! وفي وسط الحديث فاجأني بسؤال فقال: تكثر من ذكر التخطيط والنهج وضرورته، فما المقصود بالتخطيط وكيف يكون ذلك ؟ ! ظننته أول الأمر مازحًا، ولكن وجهه كان يدلُّ على جدية سؤاله، وعلى حقيقة جهله للتخطيط ! فتمالكتُ نفسي وقلت له: التخطيط تجريه أنت في كل أمر يُهمُّك في دنياك. إنك لو أردت السفر من هذه المدينة إلى تلك، فإنك تُحدِّد أولًا هدف السفر وغايته، ثم تحدّد وسيلة تحقيقه بالطائرة أم القطار أم السيارة. ثم تحدّد الوقت المناسب، ثم تحدّد الحاجات الضرورية للسفر من نفقات وأوراق وكتب، ثم تحدّد المدّة التي تقضيها ولو بصورة مبدئية. وإن كنت مؤمنًا صادقًا واعيًا لقواعد الإيمان فإنك تخلص نيّتك في سفرك لله، لتتأكد أن سفرك عمل صالح لا فساد فيه، وتردّه إلى منهاج الله لتطمئن أنه لا يخرج عن منهاج الله وأنه ملتزم لقواعده. ثم تحاسب نفسك أثناء السفر وتتفقَّد كل أمورك، ثم تقوِّم عملك عند عودتك.
هذا التصوّر يجب أن يرافق عمل المؤمن كله، وعملك يا أيها المسلم، حتى تكون أوفيت بعهدك مع الله. هذا التصور يجب أن يكون نهج أمة، ونهج دعوة، ونهج داعية. وهذا أمر يحتاج إلى التدريب عليه ودراسته علمًا يحتاجه كل من ينزل ميدان الحياة. وهذه مسؤوليّة الدعوة الإِسلامية أن تدرّب أبناءها على النهج والتخطيط، وعلى الإِدارة والتنظيم، وعلى محاسبة النفس والتقويم. ثمّ سألته ألم تدرسْ ذلك في دعوتك، ألم يدرِّبك أحد على ذلك، ألم تُجْرِ تقويمَ عملك وردَّه إلى منهاج الله ؟ !!
وفي جولة أخرى قصدت داعية يساهم في نشاط كبير رغبت أن أنصح له. فبيّنت له ما أراه من أخطاء في المسيرة، وأنه يغلب عليها الارتجال، فلو دارت الشورى لكان الأمر أفضل. قال نعم ! لقد دارت الشورى، ورُفِعت الأَصابع وأخذنا برأي الأكثرّية. قلت له: إن هذا الأمر متعلق بميادين متعددة، فكم من خبير اقتصادي ساهم في الشورى، وكم من خبير سياسي، وخبير في كذا وكذا ! قال: لا يوجد أناس مختصون في أيٍّ من هذه الأمور. قلت: إذن ما فائدة الشورى إذا دارت بين أناس لا خبرة لهم في الموضوع المطروح. ثم ذكرت له أن الواقع يكشف عن مظاهر الارتجال ودويّ الشعارات أكثر من مظاهر العمل المنهجي المستكمل لشروطه وإِعداده، وأن هناك خطرًا من حدوث مأساة مع هذا الارتجال ! فقال: لا تخف ! ربنا كريم. وهو مع المسلمين، وساق من الجمل العامة الشيء الكثير، ثم انجلت الأحداث عن مآسي وفواجع.
وأعجب كيف لا يقف كل مسلم ليتساءل لِمَ كانت الهزائم والفواجع مع أن المسلمين لم يبخلوا بجهد ولا مال ولا دماء ؟ ! كيف ضاعت هذه الجهود وتناثرت ولم نرجعْ منها بنصر.
وفي أحيان كثيرةٍ يأخذ الكِبْر من النفوس، فيحاولون أن يجعلوا من الهزيمة نصرًا، ومن المصائب فخرًا، فلا يقبلون نصحًا ولا رأيًا. غلب الشعار والأماني والأوهام، ودخل الخدر في الدم والعروق !