ولكن الجانب السياسي الذي أدى إلى صعود الترابي هو نفسه الذي أدى إلى سقوطه إثر المواجهة بينه وبين الفريق البشير رئيس الجمهورية تلك المواجهة التي أدت إلى تجريد الترابي من كل مناصبه الدستورية والسياسية والتنفيذية في ديسمبر 1999م فيما سُمي حينها بقرارات الرابع من رمضان، فقد كان الترابي في بداية انقلاب الإنقاذ في العام 1989م معتقلا مع زملائه السياسيين السودانيين، رغم أن الجبهة الإسلامية التي كان يرأسها الترابي حينها هي التي قامت بالانقلاب، وذلك تمويها لوجهة الانقلابيين وحماية للثورة الوليدة كما ذُكر لاحقا، ولكن بعد الإفراج عن الترابي ـ مع غيره من السياسيين ـ لم يكن يتولى منصبا تنفيديا ولا سياسيا، فقام بتأسيس المؤتمر الشعبي العربي الإسلامي في بداية التسعينيات من القرن الماضي وجمع فيه الإسلاميين واليساريين والقوميين في العالم الإسلامي وتولى زعامته، فأصبح لديه منصب ذي صبغة عالمية لتنظيم مقره السودان، ولكنه ظل ـ أمام الناس على الأقل ـ بعيدا عن المناصب الرسمية والسياسية في السودان، رغم أنه كان يدير الأمور وراء الكواليس، ولكنه لم يقنع بذلك الدور الخفي، فتقدم خطوة للأمام نحو المناصب السياسية وتولى زعامة المؤتمر الوطني الحزب الحاكم والوحيد حينها، ثم تقدم خطوة أخرى وتولى رئاسة المجلس الوطني ـ البرلمان ـ فأصبح يتولى رئاسة الحزب الحاكم ورئاسة الجهاز التشريعي في آن معا، ثم أراد أن يتقدم خطوة أخرى نحو رئاسة الجمهورية إثر استشهاد الفريق الزبير محمد صالح النائب الأول لرئيس الجمهورية في فبراير 1998م، فتقدم للرئيس ورشح نفسه ليشغل منصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، ولكن الرئيس لم يوافق واختار علي عثمان محمد طه للمنصب، ومن هنا بدأت مواجهات الترابي لرئيس الجمهورية مستغلا منصبيه في المؤتمر الوطني والمجلس الوطني، وانتهت تلك المواجهات بقرارات رمضان الشهيرة التي حلت المجلس الوطني أولا، ثم حلت لاحقا الأمانة العامة للمؤتمر الوطني، فخرج الترابي من الحزب والحكومة مكونا المؤتمر الشعبي في العام 2000م وانضم للأحزاب المعارضة.
وهكذا عندما انكشف الغطاء السياسي عن الترابي، رأى الناس بوضوح فساد أفكاره وآرائه في كثير من الأمور رغم أنها ليست جديدة، لكن كان يحجبها عن الناس موقع الترابي السياسي وظهوره ـ في نظر الكثيرين ـ مدافعا عن الإسلام والشريعة، فأراؤه عن زواج الكتابي من المسلمة، وتحريفه لمعنى الحجاب... وغيرها مما ظهر مؤخرا؛ قال بها الترابي قديما، ولكن شاء الله تعالي أن يظهر استهجان المسلمين لها على نطاق واسع الآن بعد أن لم يعد للترابي ما يحجب عن الناس شناعة آرائه.
كنت في زيارة الأسبوع الماضي ـ يوم الأربعاء 12/4/2006م ـ مع أحد الصحفيين إلى أحد قادة الحركة الإسلامية في السودان، وكنا نسأله عن رأيه في آراء الترابي الشاذة، فقال لنا ـ على هامش الحوار ـ كنت في لجنة رأب الصدع ـ التي كونت إثر قرارات رمضان المشار إليها آنفا ـ وكنا نحاول تقريب الشقة بين الرئيس والترابي، فاقترحنا على الترابي أن يتولى الإمامة ويدع الرئاسة للبشير، ولكنه رفض. فقلتُ للشيخ: هذا من لطف الله تعالى بكم، فلو قبل الترابي الإمامة، لوقعتم في حرج كبير لأنكم لن تستطيعوا حينها الرد على إمامكم. فضحك ضحكة عالية مؤمنا وموافقا.