فهرس الكتاب

الصفحة 4321 من 27345

يقول عبد الرحمن الكواكبي: (فكل إرادة مستبدة تسعى جهدها لإطفاء نور العلم، وحصر الرعية في حالك الجهل، وأخوف ما يخافه المستبدون هو العلم بأن يعرف الناس حقيقة أن الحرية أفضل من الحياة.. يدخل في أصحاب هذه الإرادة الحكام الذين يريدون أن تموت الإنسانية لتحيى أهواؤهم.. والزعماء الذين يريدون أن تموت روح الإنسانية؛ فيستنسخوا منها نمطية تقدسهم؛ لتعبد بها ذواتهم.. والعلماء الذين يريدونها أن تنغمس فيهم ليحيى وجودهم.. يا هؤلاء! كفكفوا دمعها، أو كفوا عنها (.

إن الذين يعملون على إنقاذ الإنسانية، ووجودها العلمي، ويحاولون بذلك كفكفة بعض من دموعها في المؤسسات التعليمية يعملون فقط على إحياء الذهنية العلمية الباردة؛ ليُخرِجوا لنا بذلك كائنا علميا مشوّها (ذكيًّا في جانب، ومتبلّدًا في الجوانب الأخرى..) .

كنت أتكلم في قضية تمس جوهر الإنسان مع أحد الناس؛ فلم يُبْدِ أيَّ تجاوب؛ واكتفى بمقالة: إنه (مهندس) !!..

إن الذي يفيد من حقيقة العلم هو ذلك الذي يحافظ على الجين العلمي بسلامة الفطرة؛ فيقبل على العلم بالروح الإنساني؛ وليس بالوجود الغريزي..

الشخصية العلمية هي التي تتوجه نحو العلم باستحضار إنسانيتها؛ بما فيها من إستعدادات علمية لتتلقى الحقائق العلمية، ثم تترجم ذلك إلى قناعات تختار بها مواقفها في الحياة.. وهي في ذلك تتبع العلم الذي وصل إليها، وتشكل عليه وجودها..

عندها يتحقق الوجود الإنساني، ويتمثل المرء في مواقف الحياة؛ شاخصا بطابعه الخاص، ونكهته المميزة..

ودون ذلك يتحول الإنسان إلى حيوان بهيم؛ يتبع بغير علم، ويمشي مع القطيع وإن كان يساق إلى الذبح.. فيا لَضيعة الإنسانية حين تسام الهوان، وتساوِم بالأبدان!!..

(وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولا) الإسراء 36..

من العجيب الذي يلفت النظر أن أول ما نزل من القرآن ذكر فيه الإنسان ثلاث مرات مقترنا مع ذكر العلم والقلم (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ(1) خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ (2) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ (3) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (5) كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطْغَى (6) ).. يقول العلامة ابن كثير: (فيه تنبيه على ابتداء خلق الإنسان من علقه، وأن من كَرَمِه تعالى أن علّم الإنسان ما لم يعلم؛ فشرّفه وكرّمه بالعلم؛ وهو القدر الذي امتاز به أبو البرية آدم عليه السلام على الملائكة) اهـ.

إن الإنسان في الآيات السابقة ذكر في معرض الخلق، وفي معرض التعليم بالقلم كتتمة للخلق، ثم في معرض الطغيان؛ مما يشير إلى أن الإنسان حين يتخطّى إكرام الله له في التعليم بالقلم يتحوّل إلى طاغية يتمرّد على كل شيء، ويصير وحشا يفتك بالإنسانية.

يقول صاحب الظلال رحمه الله: (وإلى جانب هذه الحقيقة تبرز حقيقة التعليم.. تعليم الرب للإنسان بالقلم؛ لأن القلم كان وما زال أوسع، وأعمق أدوات التعليم أثرا في حياة الإنسان) .

إن المرء لا يستطيع أن يحافظ على كرامته، وطبيعته البشرية إلا بأن يصحب العلم والقلم إلى أن يواريه الثرى؛ بذلك بزغ فجر الإنسانية، وأشرقت بضيائه الأرض، وانطلقت أشعته تملأ الحياة بالدفء، حينما قامت الحضارة الإنسانية تسطع بأنوار الخلافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت