فهرس الكتاب

الصفحة 20441 من 27345

لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل . أعاذني الله وإياكم ، ووالدينا من ذلك كله . أيها المسلمون: على العكس من ذلك ما وعد المتقون ، جنة تجري من تحتها الأنهار ، أكلها دائم وظلها . قال ابن مسعود رضي الله عنه: الجنة سجسج ، كما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس . يعني معتدلة ، ليس فيها حر مؤذ ، ولا برد شديد . فجمعت لهم الخير كله ، بجري الماء تحتهم ، والأكل والظل . لهم فيها أزواج مطهرة وندخلهم ظلا ظليلا . في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود . وماء مسكوب . ذواتا أفنان . والفنن الغصن . فلها أغصان ، متشابكة ، فهو ظل الشجر ، وفي الحديث إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مئة سنة . أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . وفي رواية أبي سعيد رضي الله عنه قال صلى الله عليه وسلم: إن في الجنة شجرة يسير الراكب الجواد المضمر السريع مئة عام ما يقطعها . وتكرر في القرآن الكريم القول بجري الأنهار تحت الجنة . أو تحت أهل الجنة . وكل عربي يدرك معنى جري الأنهار في بلد ما ، أن هناك خضرة وظلا ، وفواكه ، ونعيما . وقد حذر الله تعالى نبيه وعبده آدم عليه السلام من كيد عدوه اللعين ، فقال له: إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى . ثم عدد عليه من أفضل ما فيها فقال: إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى ، وإنك لا تظمأ فيها ولا تضحى . فالظمأ والضحي متناغمان ، فأضحى أي تعرض للشمس والضحى: هو وقت انبساط الشمس ، وامتداد النهار . ولهذا قال تعالى: والشمس وضحاها . وقال تعالى: والضحى ، والليل إذا سجى . والضاحية من كل شيء: ناحيته البارزة . وبقي أن نشير إلى لطيفة مهمة ، وهي أن الجنة ليس فيها فيء ، ولكنها ظلال ، كما قال تعالى: إن المتقين في ظلال وعيون . فالظل هو لشيء لم تصله الشمس . وأما الفيء فأخص منه ، وهو ما زالت عنه الشمس ، أو كان من أثر الشمس ولهذا قال تعالى: أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله . فيقال: فاء الظل فيئا ، أي: عاد بعد أن أزالته الشمس . والجنة ليس فيها شمس ، إذ إن أهلها: لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا . فالظل أعم من الفيء . ولهذا كثر في القرآن استخدام الظلال ، كما في قوله تعالى: هم وأزواجهم في ظلال . وقوله: ودانية عليهم ظلالها . وأما شرابهم: فيسقون من رحيق مختوم ختامه مسك . من كأس كان مزاجها كافورا ، عينا يشرب بها عباد الرحمن يفجرونها تفجيرها ، عينان تجريان ، وعينان نضاختان ، ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا ، عينا فيها تسمى سلسبيلا . أيها المستظلون: إذا خرجتم من هذا المسجد عرفتم قيمة الظل ، فمن مشى منكم قليلا عرف قيمة كأس من الماء البارد . فأغلى شيء يفقد ظل وماء بارد . وفي الدعاء المأثور: اللهم اجعل حبك أحب إلى من الماء البارد على الظمأ . فأحب شيء إلى الظمآن ماء زلال ، بارد عذب . وأحب شيء إلى من مشى في الهجير الحار أن يجد شيئا يستظل تحته ، ويتفيؤ ظلاله . فأما الظل في القيامة ، فلا ظل إلا ظل عرش الرحمن ، ولن يستظل أحد تحت الظل إلا من سعى إليه بعمل صالح يؤهله لتلك الظلال الوارفة . وفي شدة الحر ، تزداد القيمة المعنوية للماء البارد ، ولن يسقى أحد في القيامة إلا من حوض النبي صلى الله عليه وسلم ، وهم من اتبعه ، وترسم هديه ، فأما من بدل وغير ، فليس له منه أدنى نصيب ، وماء الحوض مداده من الكوثر الذي أعطاه الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم ، كما في الحديث عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ، ثم رفع رأسه متبسما ، فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال: أنزلت علي آنفا سورة ، فقرأ: إنا أعطيناك الكوثر ، فصل لربك وانحر ، إن شانئك هو الأبتر . ثم قال: أتدرون ما الكوثر ؟ فقلنا: الله ورسوله أعلم . قال: فإنه نهر وعدنيه ربي عز وجل ، عليه خير كثير ، عليه حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة ، آنيته عدد النجوم ، فيختلج العبد منهم فأقول: رب ، إنه من أمتي . فيقول: ما تدري ما أحدَثَت بعدك . رواه مسلم . ألا ، فاسعوا أيها المسلمون إلى الظل ، والسقيا في يوم العرض الأكبر ، طال زمانه ، وقرب أوانه ، وتخلى فيه عن كل أحد أحبابه وأعوانه ، وتعددت فيه أصناف الأهوال ، كأنه هول تعددت ألوانه ، تشهد على المرء فيه حواسه وأركانه ، فما أسعد من استظل بظل الرحمن ، وشرب من حوض سيد ولد عدنان صلى الله عليه وسلم ، وثقل في ذلك اليوم ميزانه . وكل من شرب من الحوض ، واستظل تحت ظل العرش سيكون من الوارثين للجنات والعيون ، في ظلال على الأرائك متكئون . جعلني الله وإياكم من أهل الجنة ، المتنعمين في الظلال ، ونجانا بفضله من النار ، وما أعد لأهلها من الزقوم والأغلال . أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: وما يستوي الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ، ولا الظل ولا الحرور ، وما يستوي الأحياء ولا الأموات ، إن الله يسمع

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت