فهرس الكتاب

الصفحة 25465 من 27345

صحيح ان هناك من لم يفقد عزمه وامله في هذه الديار الحزينة، فهناك اعداد لابأس بها من عشاق الحقيقة ومحبي العلم، ورجال نذروا انفسهم لخدمة الايمان من الذين نستطيع اطلاق اسم"جيل الفكر"عليهم. ولكن من المؤسف ان نرى ان اصواتهم تطغى على افعالهم، وضجيجهم أقوى من انشطتهم. فصراخهم -وهم يقومون بانشطتهم وفعالياتهم- يؤدي أحيانًا إلى شر اكثر مما يؤدي إلى الخير، والى زيادة مخاوف الذين احاطت بهم الاوهام والمخاوف، والى فزع الملحدين، ويدفع بكارهي الاسلام والنافرين منه إلى النشاط ضده، فإذا بالأصوات الصاخبة ترتفع من كل جانب، ثم تتتابع الهمهمات والشكاوى، ثم يأتي وقت تتحرك فيه المخابرات الاجنبية، وكتائب الجنود الاجانب. وفي النتيجة يتم تدمير كل ما بُني في السابق، وتقطع الطرق وتهدم الجسور ويرجع كل شئ القهقرى إلى الوراء، وتتم تصفية كل تلك النشاطات والخدمات على مذبح الحقد والكراهية وطغيان العداء الاعمى... هذا هو ما جرى حتى الآن، فقد تشكلت معسكرات مختلفة في المجتمع نفسه، وحدثت نزاعات ومناوشات بين هذه المعسكرات، وجاء زمان تحولت فيه المناوشات والمبارزات الفكرية إلى مناوشات بالأيدي حتى اختلطت جميع الاوراق.

علمًا بان العقل والمعرفة والحكمة تشكل أساسًا مهمًا في الاسلام. فالتفكر والتدبر والاستدلال والاجتهاد من ضرورات المجتمعات الاسلامية. والرسول صلى الله عليه و سلم يدعو أمته إلى اتخاذ منطق العقل مرشدًا لهم في ظل الوصايا القرانية. فهو عندما يقول (قوام المرء عقله. ولا دين لمن لاعقل له) [1] انما يدعونا إلى ان نستخدم العقل والمنطق في كل امر من امورنا. والحقيقة انه صلى الله عليه و سلم كان دائمًا بجانب العلم، ويبجل العلماء، ولأول مرة كان هو القائل بان العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة، كما انه هو القائل: (الحكمة ضالة المؤمن فحيث وجدها فهو احق بها) . [2]

ولكن الغريب انه على الرغم من قيامه بحثِّ أمته على العلم والحكمة، وعلى الرغم من مئات الآيات والأحاديث في هذا المضمار، وإصراره المتكرر في هذا الشأن فان المسلمين منذ عدة عصور لم يفهموا هذا، ووضعوا بينهم وبين العلم والمعرفة والفن حجابًا. بل الأسوأ من هذا انهم اصبحوا من ناحية الفكر والبحث عاقرين وعقيمين وراكدين، وتركوا انفسهم للاسترخاء إلى درجة أن دخولهم تحت حكم ووصاية الآخرين لم ينبههم من غفلتهم هذه، ولم يدفعهم لمعرفة ما يجري حولهم، ومعظمهم لا يعرفون الحقيقة ولا يملكون ميلًا للبحث ولا عشقًا للحقيقة، ولم أشاهد أحدًا منهم يشعر بالخجل والحرج لارتباطنا الوثيق في هذه الدنيا بغيرنا في مجال العلم والتكنولوجيا. فان وجد بعضهم فهم في وضع لا يستطيعون فيه اسماع اصواتهم. اما عبوديتنا لله تعالى ودرجة اخلاصنا في الايمان فهي تعادل تمامًا سلبياتنا الاخرى. فان جئنا لعباداتنا فقد تحولت إلى فلكلور والى مجرد تقليد من التقاليد. وكان من الممكن ان يخفف من هذا الأمر لو كنا نحترم ونوقر تقاليدنا... ولكن هيهات، فقد ترك هذا لمجرى الأيام وتقلباتها.

عندما يكون هذا هو الوضع فلا يمكن الحديث عن جوهر الإسلام في هذا العالم الإسلامي، ولا عن الفهم الصحيح لأوامره التشريعية، ولا عن استيعاب أسسه التكوينية وفقهها وتفسيرها والإحاطة بها. لذا ففي هذه المنطقة الجغرافية المظلمة التي تعيش فيها مجموعات فقدت لونها وملامحها وهويتها من المسلمين، والتي تشوهت فيها لغتها ولهجتها حتى لم تعد مفهومة نحتاج اول ما نحتاجه إلى عشق للحقيقة، وبعث لحب العلم والرغبة في البحث، وشعور وجداني بالدين بصورته الأصلية النقية. ولا يمكن ان ينقذ هذا العالم من هذه الوهدة السحيقة التي سقط فيها الا من تربى على منهاج تربيته الأصيلة الذاتية من ذوي الأرواح الشابة والعقول المتوقدة، ممن نذروا انفسهم للحق تعالى وتوحدوا في الهدف وفي الايمان نفسه، لا يرجون منفعة شخصية... من أصحاب الإرادة والعزم... الساعين في الخدمة الإيمانية... العازمين على تخطي جميع المصاعب والعقبات... من أبطال العلم والمعرفة والعزيمة الذين لا يرجون أي نفع مادي أو معنوي سواء في الدنيا او في الآخرة. لقد عشنا حتى الآن على أمل مجئ هؤلاء الابطال، وسنبقى نعيش في انتظار قدومهم.

[1] شعب الإيمان للبيهقي 157/4

[2] رواه الترمذي وابن ماجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت