وتتأكد أهمية المسلك الجماعي في الاجتهاد مع متغيرات العصر , وسعة الاتصال والتواصل بين الناس, ولا سيما مع ملاحظة ما يجري من خلال القنوات الفضائية وشبكات المعلومات, وكثرة الخوض فيها من قبل أناس لا صلة لهم بالعلوم الشرعية المتخصصة.
ومن المؤكد أن جانبًا من هيبة الأمة ومهابتها في قرونها الأولى المفضلة وحفظها لحقوقها يعود إلى المنهج الجماعي الذي يقي-بإذن الله- من الزلات والهفوات والأخطاء القاتلة, ويحفظ من الشقاق والفرقة.
وفي الغالب فإن الاجتهاد الجماعي يجمع علماء قادرين متخصصين مدركين لأصول الاستدلال ومن ثم تكون لهم هيبتهم ووزنهم في الأمة.
والمجامع الفقهية الموجودة خطوة طيبة في هذا المضمار, وينبغي أن تتسع دائرة التجمع, كما ينبغي أن ينظر في طريقة الاختيار أو الترشيح للأعضاء يبعده عن بعض المؤثرات التي لا علاقة لها بالتخصص العلمي, ومتطلبات الاجتهاد, وشروط الإفتاء.
ومما يعين على إعطاء الاجتهاد الجماعي أثره في استصدار الأحكام الفقهية في مكانتها اللائقة بها كمنتدى لكبار فقهاء الأمة بعيدًا عن المؤثرات الخارجية والتوجهات السياسية وغير السياسية, ذلك أنه قد كثر الأدعياء , وانتشر المغررون, والمتهورون, والمتهتكون الذين لو فتح لهم الباب لاجترؤوا على حدود الله, وغيروا معالم الشرع إرضاء لنزوة , وسعيًا لشهرة, أو إتباعا لهوى , فيصبح الدين والناس فوضى فيضلوا ويضلوا.
ومن أجل أن يعطى الاجتهاد الجماعي أثره على مستوى الإنتاج والقبول والثقة يحسن مراعاة ما يلي:-
1-ينبغي أن يكون هناك تنسيق كامل بين المؤسسات العلمية الشرعية وبين المراكز الأخرى من طبية, واقتصادية وسياسية, واجتماعية وغيرها, وذلك لتحقيق هدفين رئيسين:-
أحدهما: اتصال المؤسسات الشرعية بالواقع ومستجدات الناس فيكون الاجتهاد مبنيًا على تصور صحيح.
ثانيهما: معرفة كل جديد في وقته, وبيان حكمه الشرعي.
2-التنسيق بين دور الإفتاء والمجامع الفقهية والجهات البحثية الشرعية في الجامعات وغيرها لإمدادها بالموضوعات المستجدة , والنوازل, والواقعات وما تحتاج إليه الأمة من بحوث , بدلًا من التكرار أو البحث في قضايا ومسائل لا تطبيق لها, أو أنها ذات أهمية محدودة.
3-إعادة النظر في طريقة تدريس الفقه ولا سيما في المستويات العليا من الكليات الشرعية , ومرحلة ما فوق الجامعة, ويكون هذا النظر من جهتين:-
أولهما: أسلوب البحث والتأليف والتدريس بطريق القواعد الفقهية والأصولية والنظريات الفقهية.
وهو أمر ليس بمستغرب إذا نظرت في بعض طرائق المتقدمين كالشاطبي في كتابه الموافقات وتوجهه نحو إعادة النظر في طرق الكتابة والتأليف في أصول الفقه. ثم توجهه إلى العناية بمقاصد الشريعة ,وكذلك أسلوب ابن رجب في كتابة القواعد الفقهية.
ثانيهما: العناية التفصيلية بالمسائل المستجدة , فلو قارنت في كتابة المتقدمين في الزكاة والأموال الزكوية -ولا سيما زكاة السائمة من بهيمة الأنعام وطرق تفصيلها-لوجدت أنها متمشية مع مصطلحات وقتهم وما هو سائد فيهم من ألفاظ وأسلوب حياة , بينما جد في الوقت الحاضر أنواع من الأموال نحتاج إلى تبسيطها وتقريبها لطلاب العلم في مراحل الطلب , كالأسهم في معرفة أنواعها وشركاتها وكيفية إخراج الزكاة فيها.
وقبل إنهاء هذه المقدمة يحسن إيضاح معنى التجديد في الفقه مما يؤكد كل المعاني السابقة.
التجديد في الفقه
التجديد: من الجدة والقوة, والتجديد: إعادة الجدة.
وفي الحديث: (( إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها أمر دينها ) ).
والمراد بتجديد الدين هنا-والله اعلم- ما يعيد له القوة ويرجعه إلى أصل صفائه الذي كان عليه حين البعثة وتنزل الوحي, وليس التجديد هو التغيير والتبديل.
إن التجديد هو العودة إلى أصل الشيء عند بدايته وظهوره لأول مرة, وإصلاح ما أصابه من خلل أو ناله من ضعف, ليعود قويًا كما كان حين بدأ, وذلك بإبراز حقائقه الناصعة, وتجلية خصائصه المميزة.
فيكون تجديد الدين وتجديد الفقه بتقوية التمسك به, وإحسان تطبيقه وتنفيذه.
وبناء على ذلك فتجديد الدين لا يكون إلا بالدين وللدين, لا بالدنيا, ولا للدنيا, ولا يكون إلا من داخل الدين, وبمفاهيم الدين, لا من خارج الدين, وبمفاهيم مستوردة وأفكار دخيلة.