فهرس الكتاب

الصفحة 11992 من 27345

أجل!... لقد عاش في الوقت الذي اصبح فيه العلم والفلسفة أداة لدفع الناس نحو الالحاد، وفي الوقت الذي تم فيه غسل الادمغة بالشيوعية، والذي كان يُنفى" فيه ويُهجّر من يرفع صوته ضد هذه السلبيات، من مدينة لمدينة ومن بلدة الى اخرى، إذ عاش الوطن فترة تهجير مخجلة. والاغرب من هذا ان كل هذه العمليات كانت تحدث باسم المدنية والمعاصرة... في اثناء تلك الايام السوداء التي انقلبت فيها المفاهيم حتى اصبحت الحركة الفوضوية حركة واسعة منتشرة تحمل سحرًا وجاذبية... في تلك الايام انتصب بديع الزمان أمامنا يسلط الضوء على دخائل انفسنا وكأنه طبيب حاذق... يُرينا سجون أنفسنا... واغلال ارواحنا... جرائمنا وجناياتنا... قيامنا بأسر انفسنا بانفسنا... يسلط الضوء على الجوانب الانسانية الهامدة في اعماق ارواحنا وفي عوالم ضمائرنا... فأثار في قلوبنا الشوق الى السمو وبعث فيها نبض الحياة ودفق الامل... واوضح امام جميع الانظار ان في اعماقنا علاقة وصلة مع العوالم الاخرى وارتباطًا بها، ووهب لنا كل ثمرات المدارس والتكايا والزوايا وحلقات العلم والدراسة.

اجل! ففي عهد كانت الامة فيه تتقلب ألمًا من السقوط ومن الضحالة الفكرية، والتي اصبحت فيه الآلام الاجتماعية عقدة مستعصية وظهرت كل يوم مئات من الحوادث المفزعة في كل ناحية من انحاء البلاد، وتهدمت كل المعايير والمفاهيم الاسلامية والملية واصبحت انقاضًا فوق انقاض... في مثل هذا العهد المظلم العاصف كان بديع الزمان يفكر ويبحث عن الحلول ويشخص الامراض ثم يكتب الوصفات لها كاي طبيب حاذق. لقد راى الاجيال البائسة وهي تئن تحت ثقل البلايا الهائلة التي افرزتها الاعوام الطويلة المظلمة، وكيف انها تاهت وظلت سبيلها في اودية الضلالة ودروب الالحاد. وكيف انها كلما ارادت الخلاص والنجاة انغرست في ازمات اسوأ وغرقت في مشاكل افظع... راى هذا واحس بآلام هذه الاجيال في أعماق روحه، فعاش حياته وهو في انفعال وفوران روحي يفكر ويبحث على الدوام ليقدم حلولًا بديلة للدولة وللمجتمع، وينبه هذه الامة البائسة ويذكّرها، انها وان كانت الآن تعيسة الحظ الا انها امة عريقة في المجد وغنية بالبطولات.

قام بديع الزمان منذ عهد الدولة العثمانية بالتجوال في معظم ارجاء البلاد... من مدنها الكبيرة الى قراها الصغيرة... ومن المناطق المزدحمة بالسكان الى المناطق النائية... راى الجهل ضاربًا اطنابه في كل مكان، وراى الناس يتجرعون آلام الفقر... رآهم شيعًا واحزابًا يأكل بعضهم بعضًا... ارتعش فزعًا مما رآه، ولانه كان رجل فكر ونظر ثاقب ادرك طبيعة عصره وفهمها بعمق، لذا حاول ان يبث في الجماهير آنذاك روح العلم، واهتم باسباب المشاكل الاقتصادية وعوامل الفقر والحاجة، وبحث عن حلول لاسباب فرقة امتنا وعن علاج لخلافاتها، واكد دائمًا على ضرورة الوحدة والاتفاق، وكان مع هذه الامة على الدوام، ولم يدعها وحيدة في تلك الايام العصيبة لحظة واحدة. وفي كل مكان وطئته قدماه كان يهتف بملء فيه: "ان لم تُعالج الآن هذه المشاكل المتداخلة بعضها في البعض الآخر، وان لم تُضمد هذه الجروح بايدٍ متخصصة ماهرة، فان امراضنا ستزمن وتستعصي على العلاج، لذا لابد من تشخيص كل مشاكلنا العلمية والاجتماعية والادارية، وتحليل كل عللنا المادية والمعنوية لوصف العلاج الشافي لها، اذ لابد من ايقاف هذه المشاكل وانهاء هذه العلل التي تقوض بنيتنا وتهدد بقاءنا وتهز قواعد واسس وجودنا".

كان بديع الزمان يرى ان منبع جميع الشرور والسيئات آنذاك - كما هي الآن - هو الجهل والفقر والتشتت والاختلاف. أجل! لقد كان الجهل هو العامل الاول في الضائقات الاجتماعية والدافع الاول لبؤس الامة. ونعني بالجهل هنا الجهل بالله وعدم معرفة النبي "ص" وعدم المبالاة بالدين وعدم مشاهدة قوانا المادية والمعنوية والتاريخية... مثل هذا الجهل كان من اكبر المصائب والبلايا المسلطة على رؤوسنا، لذا صرف بديع الزمان عمره في محاربة هذه الجرثومة القاتلة، اذ راى انه مالم تجهز الجماهير بالعلم والمعرفة، وما لم يتعود المجتمع على التفكير المنظم، وما لم تُجابه تيارات الافكار المنحرفة فمن العبث الامل في خلاص هذه الامة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت