فهرس الكتاب

الصفحة 14488 من 27345

2-تجربة موسى التي تأسست لتحرر الفعل الإنساني من أسره النفسي الذاتي، الذي يمنعه من رؤية الحكمة في الفعل المستقبلي .بتسلط الفعل الحاضر باتجاهاته وقيمه ومعاييره على النفس ،نظرا لاعتيادها عليها وألفتها لها ، حيث تصبح سلطة صارمة ، تقف في وجه التمكن من الرؤية المستقبلية الصحيحة، فموسى كان يريد أن يحاكم أفعال العبد الصالح وفق قيمه ومعاييره التي تنشأ عليها ، إلا أن تلك القيم في هذه الحالة وقفت حاجزا أمام موسى لإدراك الحكمة من وراء ذلك .

3-تجربة ذو القرنين ، التي تأسست لتحرير الإنسان من الأسر الطبيعي ، عبر تحقيق الربط بين الأسباب والظواهر وكشف العلائق الموجودة بينها ، للتغلب عليها وتوظيفها ، متجهة إلى الجزاء الدنيوي ، وإلى النجاح والفوز والتمكين ، وهو ما يعني التأثير الإنساني والفعل المبدع والحرية وإتباع الأسباب .والمشكلة التي تعترض هذا الفهم ، تكمن في صعوبة فهم العلاقات بين الظواهر ، أي تخلف العقل العلمي، كما حدث للأقوام الذين لا يفقهون قولا ، رغم أن كل المتطلبات لبناء الردم كانت متوفرة لديهم ، حتى جاء ذو القرنين الذي امتلك عقلية الربط والسببية ، فقام بتصنيع الردم .

وهنا نجد أن القصص تتحدث عن ثلاث أنواع من الحرية ، يجب أن يحوزها الفعل الإنساني ، حتى يأتي مستقيما ، وهي:

-الحرية الزمنية التي تتيح رؤية الزمن الأخروي ، والتي بدونها يرضخ الفعل الإنساني للخرافات كما في تعدد الآلهة ، أو للشهوات كما لدى رجل الجنتين.

-الحرية النفسية التي تتيح رؤية الحكمة المستقبلية في الفعل الحاضر، وبدونها يرضخ الفعل الإنساني إلى النتائج غير المنطقية التي يحدثها فعله ، أو من الممكن أن تأتي عليها الأفعال بصورة لا يريدها هو ، رغم أن في ذلك تحقق للرحمة .

-الحرية الطبيعية التي تتيح الاستفادة من الطبيعة واستثمارها ، عبر إدراك القوانين المتنفذة فيها ، والعلاقات التي تكون بينها ، وبدونها يرضخ الفعل الإنساني للطبيعة والخرافة، ويكون في أسرهما ، غير قادر على التغلب عليهما ، رغم أن كل شيء متوفر لتحقيق غاية التمكين .

إن كل حرية تؤسس للحرية التي بعدها ، فالتحرر من الزمن يقود مباشرة للتحرر من النفس ومن رؤيتها الضيقة للأشياء ، والتحرر من النفس هو الذي يمكن من التحرر الطبيعي ، وبدون التحرر الأول ، لا يستطيع الإنسان أن ينجز أي تحرر آخر ، وما حدث للغرب هو نكوص من التحرر الأول ، حيث بالوصول إلى التحرر العلمي ، تم الانقلاب على كل ما أنجز من تحرر آخر ، نفسي ، وزمني ، فأصبح متحررا طبيعيا ، غير أنه واقع في أسر الزمن ، فلم يعد يرى ما وراء الحياة والزمن الدنيوي من حكمة وغاية ،ولهذا يسعى جاهدا لتأسيس الحرية الأولى ، بالاستعاضة عنها بالفلسفات التي يبدعها ، والتي لا تستند إلى التحرر من الزمن ، ولكن إلى مقولات تحاول أن تأخذ مكانه وتصادره، وعندما يعجز عن ذلك ، يكف عن البحث عنه ، ويعود إلى الطبيعة يمارس عليها عنفه .

فالقصص كلها ذات هدف واحد ،وهي تريد التأسيس للحرية الإنسانية ، وتختتم بآيات عن الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا ، بحسبانهم أنهم يحسنون صنعا ، وبكفرهم بآيات الله ولقائه ، فلم يستطيعوا تجاوز الزمن الدنيوي ، ولا أسرهم النفسي باعتقاد الحسنى في أعمالهم ، فلذلك لا وزن لهم في الآخرة: { قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا الذين ظل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا104 . أولئك الذين كفروا بآيات ربهم ولقائه فحبطت أعمالهم فلا نقيم لهم وزنا 105 } وكذلك: { قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد ، فمن كان يرجو لقاء ربه ، فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا110 } .

هذه محاولة لقراءة سورة من القرآن وإعطائها وحدة ، فإن أصبت فمن الله ، وإن أخطأت فمن نفسي والشيطان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت