فالسورة تتحدث عن هذه السجون ، وضرورة التحرر منها ، لتعطي للفعل الإنساني كامل أبعاده وشروطه التي يستطيع على أساسها أن يكون فعلا صحيحا وذا جزاء أخروي ودنيوي معتبر ، ولهذا تبرز السورة تحقق ذلك في قصة ذي القرنين ، الذي ينجح فعلا في تأسيس تلك الحرية وذلك الوعي ، عبر اتخاذه الأسباب المنطقية في حركته كلها ، وينجح فيما فشل فيه رجل الجنتين ،من الآية 83 إلى الآية 97 ، فرغم أنه كان ذا ملك ممتد من المغرب إلى المشرق، إلا أنه كان مؤمنا ، فلم يسجنه ملكه، وكانت قدرته التقنية والعقلية هي طريقه إلى ذلك ، حيث استطاع أن يبني الردم . قال: { ما مكني فيه ربي خير ، فأعينوني بقوة أجعل بينكم وبينهم ردما 95 } فهو قد تمكن بالفعل بطريقة تفكيره ومنهجيته من الحصول على نتيجة أفعاله . لذا يستطيع أن يجد للمشكلات حلا ، ويتصرف فيها على النحو الذي يريده ، ولذلك ، مكنه الله في الأرض ، وخاطبه قائلا: { ...قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا 86 } . فيجيب بما يدل على إدراكه لحقيقة الزمن الدنيوي ، وأن هناك مآلا للأعمال يوم القيامة. قال: {أما من ظلم فسوف نعذبه ، ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا 87 وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا 88 } .وعندما يصل إلى القوم الذين طلبوا منه بناء سد ، يفعل تلك العقلية السببية ، ويبحث عن حل علمي للمشكلة ، ويجده ويطبقه ، ويكون حلا نهائيا لها .
وهنا تأكيد على أن إدراك هذه الحقيقة المهمة في حياة الإنسان ، أي التحرر من الزمن ، وفي نفس الوقت التحرر من الذاتية التي تفرضها النفس بنمطيتها الجاهزة ، يؤسس للوعي العلمي ، ويقود الفعل الإنساني في اتجاهاته الصحيحة نحو التمكين .
ولتوضيح هذا لا بد من عقد مقارنة بين أصحاب الكهف وموسى وذو القرنين .
وفي نفس الوقت كان ذو القرنين متحررا من ذاتيته إذ أوتي مفهوم السبب والارتباط بين العلاقات و النتائج ، ولهذا تمكن من بناء الردم بصورة تقنية صرفة ، مازجا بين المعادن ، ومشكلا منها حلا للمشكلة ، والبناء والمزج تعبير عن إدراك الارتباط بين الأشياء وعلاقتها ببعضها
فأصحاب الكهف كانوا آية عن التحرر من الزمن الدنيوي ، لذلك دخلوا في تجربة ضد الزمن ، وأن الإنسان سيبعث ثانية ، وأن هناك ساعة وحسابا: { وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها إذ يتنازعون بينهم أمرهم ، فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ، قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا21 } . أما موسى في تجربته ، فإنه كان يمتلك القدرة على التحرر من الزمن إذ كان نبيا ، غير أن وقوعه في ربقة النتيجة الآنية للفعل ،أي تفسيره الذاتي للأفعال وفق قيمه ، ونفاذ صبره بسبب عدم مقدرته على الإحاطة خبرا بالفعل أو الظاهرة { قال وكيف تصبر على ما لم تحط به خبرا 68 } ،حرمه من إدراك الحكمة والغاية من الفعل، والقصة كلها تدور حول التحرر من معايير الحاضر وقيمه ، رغم أنها قد تبدو قيما صحيحة في كثير من الأحيان ، بهدف رؤية المستقبل والتفاعل معه ، فلو أن موسى صبر كما أوصاه العبد الصالح ، لتمكن من تجاوز الرؤية الراهنة للفعل ، ومن ثم تجاوزه والاستمرار في التجربة لتأسيس الوعي بالمستقبل ، وهذا بعكس ذو القرنين الذي امتلك الخاصيتين والحريتين معا ، فقد كان متحررا من الزمن الدنيوي ، عبر إيمانه ، وذلك ما تشهد عليه الآية عندما قال جوابا عن استخلاف الله له { أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا ، وأما من آمن وعمل صالحا فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسرا } وفي نفس الوقت كان متحررا من ذاتيته إذ أوتي مفهوم السبب والارتباط بين العلاقات و النتائج ، ولهذا تمكن من بناء الردم بصورة تقنية صرفة ، مازجا بين المعادن ، ومشكلا منها حلا للمشكلة ، والبناء والمزج تعبير عن إدراك الارتباط بين الأشياء وعلاقتها ببعضها ، لإنجاز شيء ذي قيمة ، فهو لم يكن يمتلك الشيء ، لأنه وجده هناك لدى القوم ، ولكنهم لم يكونوا بقادرين على استخدامه إذ كانوا لا يفقهون قولا . ولكنه كان يمتلك العقلية التي تستطيع الربط والاستنتاج ، لما رأى السدين فأدرك أن السد ليس حلا ، ولكن الردم هو الحل .
وهنا يمكن أن نخلص إلى ثلاث أنماط من التجارب ، هي:
1 -تجربة أصحاب الكهف التي تأسست لتحرر الإنسان من عامل الزمن ، ولتربطه بمآله الأخروي ، ليستقيم العمل الإنساني في صورته الشاملة ، وهو ما نجده أيضا في مثل الرجلين ، والتجربة فيه تتجه للحديث عن الزمن الآخر الحقيقي ، فالحياة الإنسانية ، يجب أن تتأسس كلها على هذه الحرية ، والمشكلة تكمن في صعوبة إدراك هذه الحقيقة ، لأن الزمن يتحول إلى سجن حقيقي ، مالم يأت الغيب بآياته ، يدلل عليها ويوضحها .