فهرس الكتاب

الصفحة 2346 من 27345

لا حول ولا قوة إلا بالله .. الرجل العظيم .. بعلمه وسنه ، وضعف جسمه ، ومؤلفاته التي تزيد على السبعين (يتشعبط ) في الأتوبيسات ، بينما ( هلافيت ) الثقافة وتجار الصنف يركبون الشبح والزلمكة ، ويلعبون ( بالأنارب ) ويتنعمون في المنتجعات القريبة والبعيدة ؟

يا لخيبة أمة تتجاهل علماءها وأهل الفضل فيها .

ركب الأستاذ الزاهد السيارة معنا ، وفي الفندق تحدثنا عن قضايا المسلمين في هذه العصر ، وعن العروبة ، واليسار الإسلامي ، والعقلانية ، والتراث ، وغيرها من الآفاق التي طوفنا فيها ، وبعد أن أتعبنا الأستاذ"أنور الجندي"وأزعجناه قدم مدير الإنتاج له ظرفًا به مبلغ من المال وهو يقول:"معذرة يا أستاذ على التقصير ، المبلغ لا يليق بكم ؛ لكنه رمز لمحبتنا إياكم ، فنرجو أن تقبلوه مكافأة رمزية فقط".

-مكافأة ؟ أنا لا أعرف أن هناك مكافأة ، ولم أقل شيئًا يستحق أن أتقاضى عنه أجرًا .

· يا أستاذ: هذا مبلغ بسيط من الدولة ، وليس منة من جيب أحد ، وهو من حقك وليس تفضلًا .

-لن آخذ شيئًا ؛ لأنني ظننت أن الحديث بلا مكافأة ، ولن أغير نيتي مهما كان الأمر .

· يا أستاذ .. هذا حقك .. نرجوك .

-لن آخذ قرشًا واحدًا .. اسمحوا لي بالانصراف .

وأوصلناه ونحن في حياء منه ، ومن تواضعه وورعه ، ونحن - أيضًا- في خجل من أنفسنا، وحرصناعلى الراحة و ( الكشخة ) .

كان هذا منذ أكثر من عشر سنين .. وأنور الجندي ليس مجهول المكان ، فكتبه تخرج تترى ، ومقالاته تملأ المجلات الإسلامية والحال هو الحال .

إنه الداء الوبيل في الإسلاميين .. وواحسرتا عليهم !!

لقد أذنب أنور الجندي ذنبا فظيعا لا يغتفر .. أنه عفيف ، قار في بيته .. لا يطرق الأبواب ، ولا يزاحم الأتراب ، ولا يهمه أن يقال حضر أو غاب !

كما كان أكبر ذنوب أنور الجندي أنه مستقل في تفكيره ، غير منتم لتيار ، ولا منضو تحت لافتة ، فاللافتات - في العمل الإسلامي - تطرد دائمًا من لا يصفق لها ، وتعتبره مجذومًا أو مريضًا بالإيدز ؛ لا يُقترب منه ولا يُتعامل معه ، بل ربما أساءت إليه ، وحقرت من شأنه ، باسم مصلحة الدعوة أو اختلافًا على فرعية من الفروعيات .

أزعم أن أنور الجندي لو علق ( بادجا ) على صدره لكان له شأن آخر ، ولوجد من يدعوه في المناسبات ، ويقدمه في الاحتفالات ، ويثني عليه غائبًا وحاضرًا .

وأزعم أن هناك (عيال ) جهالًا ، لا وزن لهم من علم أو سنّ أو دعوة ، لكنهم منتمون .. فصاروا بذلك ( لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ) ..

ناهيك عن أن يكون واحدًا من المستنيرين أو الذين كانوا - زمان - رفاقًا مناضلين - دستور - فهؤلاء تفتح لهم صالات كبار الشخصيات ، وأبواب الجامعات ، وتسود عنهم الصحف ، وتكتب المجلدات عن عبقريتهم ، وتميزهم ، وإبداعهم ، وتستر عوراتهم التي يعرونها دون خجل أو حياء ، فكشف العورات إبداع أيضًا عند ( ولاد الحمرة ) .

إنها قضية موازين مختلفة ، ومفاهيم مقلوبة ، وحيف في التقدير ، ووضع للرؤوس موضع الأقدام .

ولعل من المناسب هنا التذكير بكلمة المصطفى صلى الله عليه وسلم: ليس منا من لم يوقر كبيرنا ، ويرحم صغيرنا ، ويعرف لعالمنا حقه !!

فمتى تعرفين يا أمة اقرأ ؟ متى تعرفين ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت