وكذلك فإن القوة بلا علم، سبيل الغواية والهلاك، فانظر إلى ما حملت القوة أصحابها عليه قال تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ(15) ) . فصلت فهذا أنموذج لأهل القوة المفتقرين إلى العلم، فما من أمة عتت عن أمر ربها سبحانه، إلا لفرط جهلها وضياع عقولها، بل إن الاعتماد على مظاهر القوة والركون إليها بعيدًا عن التعلق بمسببات النصر والتمكين، طريق إلى الفشل ، قال سبحانه: (لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ(25) ) التوبة فقد خص الله سبحانه يوم حنين بالذكر لما كان فيها من حادثة مؤلمة تسببت في اختلال الموازين، وهي الاغترار بالكثرة الدالة على القوة، متجاهلين الأسباب الحقيقية التي يتسبب بها النصر، وهو تقوى الله سبحانه والتوكل عليه، فالقوة المفتقرة إلى العلم لا تحقق تغييرًا صحيحًا، أي قد تتسبب في تغيير الواقع، وقلب الأمور رأسًا على عقب، لكنها لن تحدث تغييرًا صحيحًا منطلقًا من القواعد الشرعية الحقة، فهنالك تأثير على الأمة من خلال القوة المادية، سواء أكان التأثير تأثيرًا سياسيًا، أم تأثيرًا اجتماعيًا، أم حركيًا، إلا أنه لم يحدث الصحوة الإيمانية المنبثقة عن المفاهيم الصحيحة للكتاب والسنة، هذا وإن أحدث تأثيرًا فإنه يقوم على أسس خاطئة تسبب الضلال والانحراف، لا الصحوة الحقة والنجاة، فقد جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسًا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) متفق عليه
فلا شك أن هؤلاء الرؤوس لهم تأثير على العامة، وذلك بما لهم من قوة وسلطان، إلا أنهم يقودون الناس إلى الهلاك، لا إلى النجاة لفقدانهم لأحد عاملي التغيير وهو العلم. فالعلم والقوة هما أساسا التغيير لذا وصف الله سبحانه أنبياءه بهذين الوصفين فقال: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ(45) ) .ص
والقوة والعلم لا يتحصل عليهما إلا بالتقوى ، فمهما سلك الناس سبلًا لتحصيل العلم والقوة،فلن يحققوا نجاحًا شرعيًا، فالقوة بلا علم كما ذكرت سبيل للهلاك، وأما العلم بلا تقوى فهو سبيل للهلاك أيضًا، فعن العلم يقول سبحانه: ( وَاتَّقُواْ اللّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللّهُ وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ(282) ) . البقرة وقال سبحانه: (وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14) ) . القصص
وأما عن القوة فقال سبحانه: (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ مُجْرِمِينَ(52) ) . هود
وإن مما ابتليت به الأمة في هذا الزمان، فقدانها للعلم والقوة، فكثير من المتصدرين لقضاياها ينطلقون من منطلقات هشة، يشوبها الجهل والضعف ، ومع ذلك فهم رؤوس لكثير من الناس ، وهذا ما جعل الأمة في ضلال عظيم، وأوصلها إلى أدنى دركات الذل والهوان، لا يبعد حالها عما وصفها به نبيها صلى الله عليه وسلم بأنها أمة غثائية لا تزن شيئًا، وذلك فيما رواه ثوبان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها فقال قائل ومن قلة نحن يومئذ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن فقال قائل يا رسول الله وما الوهن قال حب الدنيا وكراهية الموت ) . حديث صحيح رواه الإمام أحمد