فهرس الكتاب

الصفحة 2703 من 27345

-ما هي الفكرة التي تحملها الجماعة الإسرائيلية اليهودية عن تنظيم العلاقة مع المكونات الذاتية للدولة وجيرانها؟

-هل يمكن أن يتحرر المجتمع اليهودي الإسرائيلي من فكرة العصبية الممزوجة بالتفوق كأساس لأمنه، هذه الفكرة الخلدونية التي تترجم في كل أزمة بارتكاز مفهوم الشعب حول القوة المسلحة والوطن على كراهية الآخر؟

-هل يمكن للسيطرة أن تكون عنصر توازن داخلي وتعايش خارجي؟

-هل بإمكان هياكل الدولة حماية عملية إعادة إنتاج الغيتو"الموسع في كيان سياسي"من الخوف والحقد؟

-هل يمكن للمجتمع الإسرائيلي الاستمرار اليوم دون أرضية باثولوجية منجبة للعقد النفسية داخل الجماعة، وللجرائم الجسيمة من حولها، باعتبار إرهاب الآخر عنصر اطمئنان أساسي للذات المهزوزة ؟

أصبحت تعبئة لوبي المناصرة لمشروع يعيش أزمة معممة ترتبط أكثر فأكثر بتعزيز التعصب والعصبية اليهودية. أما مناهضة كل اندماج لليهود في مجتمعاتهم فتحولت اليوم إلى سياسة رسمية للدولة العبرية. ومع كل فشل في خوض معركة العلمنة الضرورية للخروج من الجماعة المتسلطة إلى الدولة الديمقراطية، مع كل فشل في التعامل المتكافئ مع الجيران، أو في الخروج من ثقافة العنف الضروري للأمن إلى ثقافة الاعتراف بالآخر كأساس لأي استقرار أمني وسياسي، أو في بناء علاقة بشرية خارج منطق العربات المصفحة والطائرات القادرة على التحطيم والاغتيال بذكاء.. لا تنحسر النتيجة فقط في فقدان الاستقرار السياسي موضوعيا والاستقرار النفسي ذاتيا. بل تتعدى ذلك لتكوين جماعة مغلقة تسلطية بتعريف طبيب الأمراض النفسية لوسيان إسرائيل:"جماعة محمولة بالطباع التسلطية (الأوتوريتارية) تفرز ميثولوجيا تكوينية، تأسيسية، مسارية وأصلية. الأب المشترك، الإله، الطوطم.. يؤسسون الاعتراف المتبادل بينهم عبر مراجع بيولوجية كاذبة: نحن من نفس اللحم، لقد استهلكنا الضحية عينها، نفس الدم يجري في عروقنا.. تتشكل الجماعة بالتعارض مع الخارج (الآخر) ، وهكذا ينبثق الطبع التسلطي. إذا كنا داخل الجماعة بين أخوة الدم، فالآخر الخارجي يتحدد بعلامات وصفات تختلف عن صفات الجماعة. وهذا الاختلاف يصبح حاملا لقيم، والآخر خارج الجماعة يصبح حاملا للشر. التجمع يسمح للطبع التسلطي بأن يحمل دون توجس ولا قلق حكما تحقيريا حول الآخر، حكما يسمح بكل العداوات وكل المظالم" (مدخل إلى الأمراض النفسية، ص 37، 1984) .

لا تحمل السلطة في ذاتها تبريرها النهائي مرة واحدة وإلى الأبد. فشرعية الدولة ترتبط أولًا بما تعنيه بالنسبة للجماعة التي تشكل إطارها البشري. أي بالفكرة التي تحملها الجماعة عنها وقدرة هذه الفكرة على أن تكون قاسما مشتركا أدنى مع محيطها الجغرافي. فلا يكفي أن يطمئن المواطن الإسرائيلي على تفهّم الأمريكي أو الإنجليزي لدوافعه المعلنة لاعتماد العقوبات الجماعية في فلسطين ولبنان استراتيجية عسكرية: حصار اقتصادي واجتماعي وبشري، قصف البنية التحتية واستهداف القرى والمدن اللبنانية، تحويل فلسطين المحتلة لسجن محاصر بترسانة عسكرية تصول وتجول فوق سمائه وبين بيوته وعلى الشاطئ وفي البيارات المحطمة والإدارات والمنشآت الاقتصادية المدمرة. المجتمع إرهابي والقيادة إرهابية، خطف القيادة السياسية الفلسطينية والاعتداء على القيادي بالضرب والإهانة عن سابق إصرار وتصميم.. لا اعتذار ولا هزة جفن إن أدى قصف بيت مقاتل إلى خسارة ثلاثين مدنيا. أليست"الحرب على الإرهاب"في قراءتها الأمريكية الإسرائيلية أيضا، إلغاء تفريد المسئولية بدعوى عزل الإرهابي عن مجتمعه؟؟ أي العودة إلى ما قبل مفهوم القانون. في وضع كهذا يتأصل يوما بعد يوم تصدع وجودي زرعته عقلية التفوق وأصلته القناعة بالقدرة على الفعل دون محاسبة، تصدع يعطي قواعد بسيطة ستعيد صياغة المفاهيم والتصورات والمواقف السياسية في كل ما يتعلق بإسرائيل: النفي ينجب النفي، والعنف ينتج العنف، وبربرية القوة تشّرع لكل أشكال المقاومة.

مهما كانت طريقة نقل وتصوير الجرائم الإسرائيلية في الإعلام ووسائل مجموعات الضغط للمجتمع الغربي، فإن الصورة التي يكونها هذا المجتمع لا تغير الكثير في مقومات الاستقرار الإقليمي الذي يسمح للجماعة الإسرائيلية بتجديد شروط إنتاجها كجماعة سياسية في الزمان، أي التاريخ، وفي المكان، أي الفضاء البشري المجاور. فمهما كانت بنية الدولة أو حجمها أو قدراتها أو عقيدتها المعلنة، تنهار أسطورة التأسيس مع تقلص هامش العمل السياسي مع المحيط وصيرورة العمل العسكري التعبير الأسمى للسياسة. إن أي إزمان لحالة عدم التوازن لا يعني اضطراب الوجود الفلسطيني تحت الاحتلال أو اللبناني في ظل العدوان وحسب، بل اضطراب في حالة الاستقرار السياسي للمحتل المعتدي نتيجة التداخل الإجباري بين الجماعة الفلسطينية والجماعة الإسرائيلية، بين صورة الجنوب في ذهن اللبناني وصورته في ذهن الإسرائيلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت