فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
قلتُ: و الشاهد من هذا الأثر أن أَمْرَ أبي بكر الصديق ابْنَهُ عبد الله بتطليق زوجه عاتكة بنت زيد رضي الله عنهم أجمعين جاء معلَّلًا بكونها تشغله عن الجهاد في سبيل الله ، و هو ذروة سنام الإسلام ، فجاز لأبي بكر أن يأمر بما أمر به لذلك ، و لما انتفت العلَّة في هذا الأمر ، و خرَج عبد الله للجهاد ، لم يعد لتطليقها مبرِّرٌ فأمسكها حتى مات عنها شهيدًا في سبيل الله .
و قد سُئل إمام أهل السنَّة أحمد بن حنبل رحمه الله عن الرجل يأمر ابنه بتطليق امرأته فقال: إذا كان أبوك مثل عمر فطلِّقها .
فلا بد للأبناء من بر الآباء ، و لا بد للآباء من تقوى الله فيما يأمرون به أبناءهم ، فلا يأمرون بمنكر و لا يحرِّضون على مظلمةٍ ، و ليحذَر الآمر و المؤتمِر من تعدي حدود الله فإن ( من يتعدَّ حدود الله فقد ظلم نفسه ) .
قلتُ: و قد فرَّق بعض أهل العِلم بين الوالدين في حق الأمر بتطليق زوجة الابن ، و وجوب طاعته في ذلك ، فقصروه على الأب دون الأم ، بعلَّة معرفة الأب بما يصلح لابنه و ما لا يصلح أكثر من معرفة الأم بذلك ، و أن إيقاع الطلاق أصلًا لا يكون إلا من الرجل على المرأة ، فلا ينبغي أن يكون للمرأة حق الطاعة إن أمرت به ابنها أيضًا ، و زاد بعضهم أن الأم قد يعتريها بعض التجني ، أو شيءٌ من حظ النفس على زوجة ابنها لما يُتصّوَّر من وقوع الغيرة بينهما ، و لذلك صاروا إلى التفريق بين الأب و الأم في هذه المسألة .
وقد سئل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن رجل متزوج ، و له أولاد ، و والدته تكره الزوجة و تشير عليه بطلاقها هل يجوز له طلاقها ؟
فأجاب: لا يحل له أن يطلقها لقول أمه ؛ بل عليه أن يبر أمه ، و ليس تطليق امرأته من بِرِّها [ مجموع الفتاوى: 33 / 111 ] .
قلتُ: و هذا يرده حديث أبي الدرداء رضي الله عنه فقد صُرِّح في بعض روايته بأن الأمر كان من الأم . كما أنَّ قوله صلى الله عليه وسلَّم ( الوالد أوسط أبواب الجنة ) يشمل الأب و الأم ، إذ إنَّ كلًا منهما والدٌ كما هو معروف في لغة العرب .
أما إذا أمر الأبوان أو أحدهما الابنة بمخالعة زوجها أو طلب الطلاق منه ، فلا طاعة لهما في ذلك ، لأن ولايتها انتقلت إلى الزوج بالنكاح ، و حقُّه مقدَّم على حقِّهما ، فلا طاعة لهما في مطلب كهذا و لا ما هو دونه إذا ما أباه الزوج .
سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن امرأة و زوجها مُتَّفِقَين ، و أمُّها تريد الفرقة ؛ فلم تطاوعها البنت ، فهل عليها إثمٌ في دعاء أمها عليها ؟
فأجاب رحمه الله: إذا تزوجت المرأة لم يجب عليها أن تطيع أباها و لا أمها في فراق زوجها ، و لا في زيارتهم ، بل طاعة زوجها عليها إذا لم يأمرها بمعصية الله أحق من طاعة أبويها ، و أيما امرأة ماتت و زوجها عليها راضٍ دخلت الجنة ، و إذا كانت الأم تريد التفريق بينها و بين زوجها فهي من جنس هاروت و ماروت ؛ لا طاعة لها في ذلك ، و لو دعت عليها ، اللهم إلا أن يكونا مجتمعَين على معصية ، أو يكون أمره للبنت بمعصية الله و الأم تأمرها بطاعة الله و رسوله الواجبة على كل مسلم [ مجموع الفتاوى: 33 / 112 ] .
هذا و الله أعلم ، و به التوفيق ، و هو الهادي إلى سواء السبيل .