فهرس الكتاب

الصفحة 3972 من 27345

لذلك نرى إن الإدارة والنظام ميدان أساسي من ميادين الدعوة الإسلامية، لتدخل الإدارة والنظام في كلّ نشاط أو عمل: في الدعوة إلى الله ورسوله، في التربية والبناء، وفي سائر الميادين، وفي جميع حياة المسلمين. وتتحمل الدعوة الإسلامية مسؤولية التدريب على الإدارة.

والإدارة والنظام أساس للنهج والتخطيط أو جزء منهما. لذلك جعلنا الإدارة والنظام عنصرًا من عناصر التنفيذ في"النظرية العامة للدعوة الإسلامية".

إنها مسؤولية الدعوة والدعاة أن يبنوا الجيل المؤمن الصادق، وأن يبنوا معه الإدارة والنظام ليكونا جزءً من إيمان وتوحيد وعلم صادق بمنهاج الله، وسجيّة وخُلقًا، ووفاءً بأمانة وعهد. وليتعلّم ما قيمة الوقت وما معناه في الإسلام، والفرق الكبير بين قيمة الوقت في الإسلام وقيمته في الحضارة المادية. ففي الإسلام تنبع قيمة الوقت ومعناه من العبادة والأمانة والوفاء الحقِّ بالعهد. وفي الحضارة المادية تتحدّد قيمة الوقت من المثل السائر بينهم:"الوقت المال Time is Money".

حين نظّم الإسلام حياة المسلم اليومية، نظّمها ليعينه على تحقيق العبادة التي خُلِقَ لها والوفاء بالأمانة التي حملها. أمره أن يستيقظ باكرًا ليشهد صلاة الفجر، ثمَّ ينطلق يسعى بعد الصلاة والذكر والدعاء، فعن أبي هريرة رضي عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم:

( بورك لأمتي في بكورها ) (1) وآيات وأحاديث أخرى تؤكد هذه المعاني وتفصّلها.

فما بال بعض المسلمين، إذا ترك الوظيفة أو أُحيل إلى التقاعد، يرى أنه آن الأوان لكي يسترخي ويتفلّت من النظام، فينام كما يشاء، ويلهو كما يشاء، لا تضبطه قواعد ولا إدارة ولا نظام.

المسلم الداعية الصادق يظلّ في إطار عملي منهجي، وخطة تطبيقية، وإدارة لها نظامها وقواعدها مهما تبدَّل وضعه. بل على العكس يجب أن يكون أشدَّ حرصًا على الوقت والنظام والإدارة حين يعمل بين المسلمين، لأنه يحمل رسالة الله إلى الناس. فأي مهمّة في الحياة الدنيا أعظم من هذه المهمة ؟! من أجلها يجب أن يستيقظ باكرًا، وينطلق باكرًا، وينضبط بإدارة ونظام.

هذه قاعدة أساسية هامة في"الإدارة"في التصوّر الإسلامي، تختلف فيها عن التصور المادّي للإدارة.

ولا يرفض الإسلام الاستفادة من التجربة الإنسانية، من تجارب الشعوب المختلفة في ميادين الحياة التطبيقية، سواء أكان ذلك في الإدارة أو غيرها، على أن تكون هذه الاستفادة خاضعة لشروط أهمها ما يلي:

1-أن لا نأخذ عن الحضارة المادية أيّ تصوّر للكون والحياة والموت، وأيّ فلسفة أو فكر أو أدب يرتبط بذلك. نحن المسلمين نحمل التصور الحقّ عن هذا كلّه، ونحن المكلّفون أن ننقله للشعوب كلها لتؤمن به، ولتنطلق منه تصوراتها كلّها في مختلف الميادين.

2-نأخذ تجاربهم وخبرتهم في ميادين الصناعة والعلوم التطبيقية وما يشبه ذلك، بعد أن نعيد صياغتها ليرتبط كله بالإيمان والتوحيد، ولنأخذ"من بين فرث ودم لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين"، بدلًا من أن نأخذ الفرث والدم في تبعية عمياء ذليلة.

3-إن أساس التعارف، والتعاون والاستفادة يخضع للآية الكريمة:

( يا أيها الناس إنَّا خلقناكم من ذكرٍ وأُنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنَّ أكرمكم عند الله أتقاكم إنَّ الله عليم خبير )

فقد جعلت الآية الكريمة التقوى أساس التعارف والتعاون ومنطلق الاستفادة من تجارب الشعوب وخبراتها.

وهذا هو الفرق الرئيس بين التصور الإيماني للإدارة وبين التصور في الحضارة المادية. فالإدارة الإيمانية أساسها التقوى والإيمان والتوحيد. ولكن هذا لا يتحقق في الواقع بالشعارات والعواطف، ولكنّه يتحقّق عندما يحمله المؤمنون الصادقون الذين يحوّلون الشعارات إلى ممارسة إيمانية صادقة في واقع الحياة، يراها الناس فيشهدون على صدقها، ويراها الله سبحانه وتعالى فهو العليم الخبير.

من هنا تتضح مسؤولية البيت والمدرسة والمؤسسات الإسلامية والدعوة الإسلامية في بناء الجيل المؤمن القادر على تحقيق معاني الإسلام ومبادئه وشعاراته إلى حقائق ملموسة في واقع الحياة البشرية، حقائق مشرفة يُقبل الناس عليها برغبة وقوة.

ومن هنا تتضح مسؤولية الدعوة الإسلامية في بناء النظام الإداري الإيماني لتبرز تميّزه عن النظم الماديّة مهما حملت من زخرف وزينة، ولتبرز عظمة النظرة الإيمانية المتميّزة في ميدان تعارف الشعوب وتعاملها، دون أن يكون المسلمون أتباعًا مقلِّدين، ولكن أمّة مبدعة، تبدع وتعطي وتعلّم البشرية رسالة الإسلام وعظمتها، وتُعلّم البشريّة عبقريّة الإدارة الإيمانية، والاقتصاد الإيماني في ميدان النظرية والتطبيق، والسياسة الإيمانية، وغير ذلك من المبادئ العظيمة التي تحتاجها البشرية.

فهل المسلمون قادرون على الوفاء بهذه الأمانة، وهل الدعوة الإسلامية قادرة على تحقيق الأهداف الربانية الثابتة في واقع الإنسان ؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت