فهرس الكتاب

الصفحة 6482 من 27345

فالغموض الكثيف المعتم ليس في القصيدة الحداثية فحسب، ولكنه ـ أيضًا ـ يثقل مقولاتهم التنظيرية والنقدية، ومن هذه المقولات، وما أكثرها!!

ـ اللغة ليست إخبارية، ولكنها تكاد تكون مكتفية بذاتها.

ـ القصيدة لا تصور الواقع، ولكنها هي الواقع نفسه.

ـ المتلقى مشارك مبدع، مثل الشاعر نفسه.

ـ الشكل مضمون أيضًا، إنه أيضًا يقول..

ـ ويقول"إدوارد الخراط":"الحداثة عندي هي القيمة التي تتوفر في كتابات الصوفية القدامى من النفَّرى والجنيد، وابن الفارض، وابن العربي".

وهي كلمات يرتكز عليها الحداثيون، وكثيرًا ما يسوقونها في مقام الدفاع عن غموضهم، كأنهم يريدون أن يقولوا: إن هؤلاء دخلوا التاريخ، واشتهروا على الرغم من غموضهم، فلماذا تخصوننا بالملام والهجوم لغموضنا؟!

وأنا أقول: إن التشبيه هنا مع الفارق الكبير جدًّا، فقد قرأنا ما كتبه هؤلاء جميعًا، وفهمناه، بما فيه من إشارات وإلماعات، وخفايا، بل إني كنت ـ وما زلت ـ أحفظ قطعًا من"المواقف والمخاطبات"لمحمد بن عبد الجبار النفري، ولكني أقرأ"أشياء"الحداثيين فلا أفهم، وآمل ألا يعتقد القارئ أنني أدعو ـ صراحة أو ضمنًا ـ إلى أن يكون الشعر مسطحًا مبسوطًا، سهل المأخذ، مباشر الأسلوب، فهذه سمة النثر، ورحم الله"أبا إسحاق الصابي"الذي قال:"إن طريق الإحسان في منثور الكلام يخالف طريق الإحسان في منظومه؛ لأن الترسل هو ما وضح معناه، وأعطاك سماعُه من أول وهلة ما تضمنته ألفاظه، وأفخر الشعر ما غمض فلم يعطك غرضه إلا بعد مماطلة منه".

وهذا الغموض الذي أشار إليه"الصابيّ"هو الغموض الخلاق حقًا.

1 ـ لأنه يحمي القصيدة من التسطيح والتبذل والمباشرية.

2 ـ ولأنه لا يحول بين المتلقي والفهم، بل يدفعه إلى كد ذهنه، وإعمال فكره حتى يفهم القصيدة ويتفاعل معها، فهو يعني العمق، وتجنب التسطيح والابتذال.

فهذا إذن هو"الغموض الحميد"أما غموض الحداثة"فغموض خبيث"يهرب إليه الحداثي بسبب الإفلاس الفكري، أو عدم وضوح الفكرة في ذهنه، أو لضعفه في اللغة والأداء التعبيري.

غموض يحكم على القصيدة ابتداء بالإعدام، أو يحكم بأنها ولدت ميتة؛ لأنها لا تجد طريقها إلى عقول الأحياء.

ولم يكن"الغموض المعتم"هو"المسمار"الوحيد في نعش القصيدة الحداثية، ومنطق الحداثيين تنظيرًا ونقدًا، بل هناك"مسامير"و"مسامير"نتناولها بالحديث - إن شاء الله - في حدود ما طرحته في لقاء"السرايا", لا اتخطاه .

أعتقد أنني لم أبالغ, ولم أسرف حينما وصفت قيام الحداثة بأنه ميلاد ميت, وهو وصف وراءه حيثيتان قويتان واضحتان: الأولي: أنها كيان غريب وافد غير أصيل أصرّ قوم - لأسباب لا يتسع المقام لذكرها - علي أن يعيش في أرض يرفضه فيها ترابها الطيب, ومناخها المعتدل, وهوائها النقي.

والثانية: أنها تحمل في كيانها بذور فنائها, كالوليد الذي ولد ممسوخ المظهر والمخبر, مختل الأجهزة, فقير الدم, مشوه الأعضاء.

الغموض المظلم!!

وقد ذكرت - فيما سبق - أنني في مناقشة هذه الحداثة أعتمد علي مصدرين أساسيين:

الأول: أدبيات الحداثيين وخصوصا الشعر.

والثاني: مقولات النقاد الذين يناصرون الحداثة, وكذلك مقولات شعراء الحداثة في عرض وجهة نظرهم, والدفاع عن مسلكهم الفني.

وما أقدمه ليس دراسة أكاديمية عن الحداثة, ولكنه وجهة نظر طرحتها في"الملتقي الثقافي"الذي عقده الدكتور عبدالولي الشميري علي ظهر السفينة «السرايا» . وقد ذكرت أن الغموض المظلم الذي هيمن علي القصيدة الحداثية كان مسمارا حادا بشعا دق في نعش الحداثة, حتي إن المتخصصين في الأدب والنقد من أمثالنا عجزوا عن فهمها.

وقد رفضنا - في الملتقي - مقولة الدكتور صلاح فضل بأن ذلك لا يرجع إلي طبيعة القصيدة الحداثية, ولكن إلي تواضع «إمكانات الفهم» عند المتلقي, مما يقوده إلي «القراءة الرديئة» . كما رفضنا بشدة وصف إدوار الخراط هذا الغموض بأنه «غموض» خلاق.

الوضوح الداعر..

ولكني - حتي أكون منصفا - أقر وأعترف أن هناك عددا كبيرا من القصائد الحداثية الواضحة التي لا يستعصي فهمها علي القارئ العادي, ولكنها للأسف تمثل عدوانا صارخا علي الأخلاقيات والحياء والذوق السليم. وأعتقد أن أي إنسان رزقه الله الحد الأدني من الذوق والرجولة والتعفف سيصاب بالدوار والغثيان, وهو يقرأ «لشاعر حداثي» مشهور في قصيدة له مشهورة أصوات ا لجنس الداعر المكونة من «الهمزة والحاء الساكنة» و «الهمزة والحاء المشددة المضمومة والواو والهاء» . واندمج هذا «الحداثي جدا» , فأخذ يكرر «أصواته» هذه في استطابة, وتلذذ حقير.

ولن يملك القارئ السويّ نفسه من «القيء» وهو يقرأ لواحد آخر من الحداثيين جدا عندما يتحدث إلي حبيبته طالبا منها أن تذيب الفجور في كأسها, وتغرف العهر, وتسقي رحمها خمرا, لكي تنجب وليدا اسمه «سكر» بضم السين وتسكين الكاف:

ذوبي الفُجْر بكأسي واشربي

واغرفي العُهر, وها كأسي اسكبي

وارصدي الشهوة من حيث أتتْ

أنت رحم الخمرِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت