فالسُّكْرَ انجبي!
ويقول:
يا سيدتي - يا حبي الآخر والأول
أصبحت من الكافر أكفَرْ
حبك علمني الإلحاد
ويقول عنها:
وماذا لو أضيعها
كمن قد ضيع اللهَ!!
وبأسلوب دعاري واضح جدا, يحكي واحد منهم في إحدي قصائده عن تجربة «لُواطية» كان هو ضحيتها. وإلي هنا أمسك عن عرض مزيد من شواهد هذا المستنقع الحداثي, مع أن تحت يدي - وأنا أكتب هذا المقال - «ركامات» أشد سقوطا وسفولا مما قدمت . كما أني لن أعرض نصوصا حداثية تتفجر بالكفر البواح, والعدوان علي الله والنبوات, والكتب المنزلة, كما أني حرصت علي إيراد الشواهد السابقة بدون نسبتها إلي «مبدعيها» (!!) حتي لا أتهم بالإثارة وتحريض الجماهير عليهم, كما يحلو للحداثيين أن يدعوا.
اعتراضات مرفوضة..
ويعترض الثلاثي المدافعون عن الحداثة, - وخصوصا الدكتور صلاح فضل - علي ما سقناه من شواهد لا أخلاقية من شعر الحداثة باعتراضين:
الأول: أن ما قدم من نصوص تدين شعر الحداثة إنما اقتطعت, وفصلت عن سياقها, و من ثم يسقط الاستدلال بها, لأنها لا تمثل رؤية كاملة.
والثاني: أن الأدب شئ, والأخلاق شئ آخر, فلكل منهما مجاله ونطاقة, ومن ثم كان للمبدع الحق في أن يقول ويكتب ما يشاء دون حجر علي حريته. ولو أخذنا «بالمعيار الخلقي» للحكم علي الإبداع لأسقطنا تسعين في المائة من تراثنا الشعري.
والأخذ بهذا المعيار سيصيب أدبنا بالضيق والضعف والتأزم والتقزم. والدليل التاريخي علي صحة هذا الحكم أن الشعر أصيب «بالضعف واللين» بظهور الإسلام, والتزام الشعراء بقواعده ومبادئه قولا وسلوكا.
إنها حجج ساقطة
وعن الاعتراض الأول أقول: هل يطلب منا - نحن «الأصاليين» - أن نقرأ علي الحاضرين دواوين حداثية كاملة حتي نثبت حكمنا? علي أن زميلي «الأصالي» الدكتور كمال نشأت قرأ من «النماذج» ما يكفي وزيادة. و معروف أنه يكفي - منهجيا - للتدليل علي ظاهرة أو حكم - انتقاء بعض النصوص بشرط أن تكون قاطعة الدلالة بلا تعسف وافتعال. وهي قاعدة يعرفها المبتدئون في دراسة مناهج البحث.
أما الاعتراض الثاني: فهو الأخطر, لأنه غاص بالمغالطات والأحكام العارية من الصحة, بعضها صريح, وبعضها ضمني..
1-فليس صحيحا أن أغلب شعرنا التراثي - حتي الجاهلي منه - يتعارض مع القيم الدينية والأخلاقية.. وأقول - علي مسئوليتي - إن الشعر الجاهلي - وهو الذي عاش في عصر وثني - لو عرضناه علي ميزان الإسلام لاكتشفنا أن ما يتعارض منه, مع القيم الخلقية لا يزيد علي خمسة في المائة, كما أن ذكر الشرك والأوثان فيه نادر جدا. ومن الشعراء الجاهليين من أرصد شعره كله للحكم والقيم الإنسانية العليا كأمية ابن أبي الصلت.
2-وقد يرفع بعضهم في وجهنا ورقة شاعر كأبي نواس, وأقول: حتي هذه الورقة لاتصلح دليلا في صف اعتراض الدكتور صلاح فضل, لأن شعر أبي نواس في الخمريات والغلاميات لا يمثل كل شعره, وللأسف شغل أغلب النقاد القدامي والمحدثين بهذه «الفاكهة المحرمة» , فغضوا النظر عن طردياته و «وصفياته» وقصائده التوبية وهي عشرات من قصائده تتدفق بالإيمان والتوبة والزهد وذكر الله.
كما أن مؤرخي الأدب ونقاده اهتموا بشعراء القصور والعواصم كبغداد ودمشق, وأغفلوا عشرات من شعراء القري والصحراء والكفور لم تفسدهم مغريات الدنيا ومفاسدها, مثل يحيي بن المبارك اليزيدي, وكلثوم بن عمرو العتابي, وابن الخبازة, وسلمة بن عياش ... وغيرهم.
وإذا كان في تاريخنا الأدبي شاعر كأبي نواس له نوعان من الشعر: نوع متهتك يمثل الشذوذ والسقوط اللاأخلاقي. ونوع أبدعه استجابة لصوت الفطرة الإنسانية السوية السليمة, فلماذا يصر الحداثيون علي ستر النوع الثاني, بل محوه بالنوع الأول? أليس من الواجب - ونحن نبني شبابنا علي أسس سليمة قويمة, ونربي فيه حاسة التذوق الجمالي النقي - أن نعوده, وندربه علي معايشة «الأدب النظيف» بعيدا عن إبداع الدعارة والمستنقعات?
وليس معني ذلك أن نحرق هذا «التراث الأدبي اللاأخلاقي» وننسفه نسفا, بل علينا أن نحافظ عليه كمادة للدارسين والباحثين المتخصصين, دون أن نروج له في مدارسنا وصحفنا.
والدعوة إلي أخلاقية الأدب لا تعني التضحية بالجماليات الفنية تصويرا وتعبيرا في سبيل المضمون, بل هي دعوة إلي التكامل السديد السوي في المضمون والشكل بكل جمالياته.
3-والادعاء بأن الشعر ضعف ولان بظهور الإسلام وأخذ الشعراء أنفسهم به قولا وفعلا أكذوبة راجت طويلا ومازال لها سوق.