فهرس الكتاب

الصفحة 6484 من 27345

وإنما هي أكذوبة تعتمد علي خطأ منهجي وهو الحكم علي الشعر الإسلامي - لا بذاته ولذاته - ولكن قياسا علي الشعر الجاهلي, وأغفل من أصدروا هذا الحكم حقيقة بدهية وهي أن لكل عصر حساباته, ومعاييره ومواصفاته, والمطلوب من الشعر أن يكون تمثيلا صادقا لطبيعة العصر الذي يعيشه بكل أبعاده وامتداداته. وقد استطاع الإسلام أن يحول الطاقة الشعرية عند الشعراء إلي الطريق السوي: طريق النور والخير والتقوي والتسامح, وهو ما يسميه علماء النفس في عصرنا الحاضر باعلاء الغريزة والسمو بها, (SUBLIMATION) : فالفخر لم يعد بالأنساب والأحساب ولكن بالدين والتقوي والقيم, وشعر العدوان والإغارة والقتال تحول إلي الجهاد في سبيل الله, واختفي الغزل الفاحش والهجاء السافل, وظهر شعر الدعوة والدفاع عن العقيدة. وأمد الإسلام الشعراء بصور وأساليب جديدة من القرآن والسنة , مما يطول شرحه. فأين الضعف واللين يا دكتور صلاح!!

مسامير ... مسامير

كان الغموض المظلم هو المسمار الأول في نعش الحداثة والقصيدة الحداثية. وكان «السقوط الجنسي الداعر» هو المسمار الثاني, ومازال هناك مسامير ومسامير أشرنا إليها في الدفاع عن «الأصالة» في ملتقي السرايا. وقد آن لنا أن نعرضها في السطور الآتية , متوخين الإيجاز .

هناك حقيقة يدركها حتي العوام من الناس, وهي أن الإنسان - بل الحيوان - يستريح, ويميل, ويستجيب بفطرته لكل ما هو منغوم منتظم: فالأم ترقًّص رضيعها وتدلّله بكلمات منغومة, وهو يفرح ويسعد بذلك. وفي الأدب العربي شعر كثير من «أدب ترقيص الأطفال» . ونري الأطفال في بيوتنا -حتي الرضَّع منهم- يتمايلون ويهتزون للموسيقي التي تصل إلي آذانهم.

وقد أدرك البدوي من قديم بفطرته أن الإبل تنسي متاعبها - وهي تقطع آلاف الأميال في الصحراء - بموسيقي «الحُداء» , وهو الشعر الذي يتغني به, ويتابعه فيه رفاق القافلة علي وقع خطوات الإبل.

وأثبت عالم هندي - بتجربة أجراها علي قطعة أرض مزروعة قمحًا - أن المزروعات يزيد إنتاجها, ويسرع نموها بعزف الموسيقي!! هذه الحقيقة أغفلها «شعراء الحداثة» , فكان من حسناتهم - كما يقول إدوار الخراط - الثورة علي"أوزان الخليل, وتدمير التفعلية الوثنية المقدسة"أي الانسلاخ التام من البحور الشعرية ومن «تفعيلة» الشعر الحر». وهذا يعني - في إيجاز - الانسلاخ الكامل من «الموسيقي» مع أنها الفيصل الأساسي بين الشعر والنثر.

ولكن «الحداثيين» يزعمون أنهم - بعد أن نسفوا «الموسيقي السلفية الوثنية المقدسة» المتمثلة في البحور والتفعيلة - أتوا ببديل «شاف كاف» من وجهة نظرهم, وهو الجناس الناقص» وتكرار حرف معين في بنية عدد من الكلمات كتكرار حرف السين في «قصيدة» (!?) أحد كبارهم:

أرمي لكم قافية طرية سهلة الهضم

وأستل سينية سما وسيفًا وسهمًا

أوسوس لكم. وأسوسكم بسخطي..».

وهو عبث لغوي لا يعجز عن مثله الأطفال والعوام, وهو يذكرني بصاحب مطعم سمك في بلدنا «المنزلة» بمحافظة الدقهلية بمصر , كنت أضحك وأنا أراه - وكنت طفلًا - يطرد قطة شقية تضايقه «بخطف» سمكة, صارخًا فيها «بسْ بسّك داء السل, دا السمك غالي» .وكان ذا لثغة , فكان ينطق الجملة هكذا"بث بثك داء الثل دا الثمك غالي". ولم يدر الحداثيون أنهم بهذا «اللعب اللغوي» نسفوا ادعاءهم بأنهم «نسفوا السلفي القديم» , وأتوا بالجديد الفائق» مع أنهم مسبوقون إليه بأحاديث ابن دريد ومقامات الهمذاني والحريري, ولكن علي نحو أرفع وأرقي. فالحريري مثلًا يكرر حرف اللام في العبارة الآتية من المقامة البغدادية «لم يزل أهلي وبعلي يحلون الصدر, ويسيرون القلب, ويمطون الظهر, ويولون اليد..» , ومن ألعابه اللغوية الفذة: الأبيات «العواطل» وكلها غير منقوطة, والأبيات «العرائس» وكلها منقوطة وأنواع ثمانية أخري لا يتسع لشرحها المقام.

هذا هو شعر الحداثة: إغراق في الغموض والركاكة. وعدوان علي الدين والقيم واللغة والتراث وموسيقي الشعر. أما ما سموه بقصيدة «النثر» فنكبة أخري نختم بها هذه الحلقات .

من الصعب وضع تعريف جامع مانع لما يسمي «قصيدة النثر» . وإن كان المتاح هو التعرف علي أبعادها من مواصفات النصوص المعروضة التي يدعي مبدعوها أنها تمثل «قصيدة النثر» .

ومن أوضح ما سجله الرافضون لها, وما أكثرهم!! ما تتمتع به من فوضي وانقلاب وتمرد عشوائي, وتنكر لكل مفاهيم البناء والشكل, وبخاصة البناء الموسيقي. واهمال الموسيقي معناه - كما يقول الدكتور محمد عبد المطلب - الإيغال في النثرية, وهي نثرية رديئة, لأنها استباحت كل محرم, وأهدرت مجموعة القيم الموروثة والمستحدثة, ورفضت التوصيل, وتجاهلت المتلقي تجاهلا تاما, ولم تقم اعتبارا لاحتياجاته الجمالية.

وفي كتابها «قصيدة النثر من بودلير إلي أيامنا» تؤكد «سوزان برنار» أنه يوجد في قصيدة النثر - في آن واحد - قوة فوضوية مدمرة تميل إلي رفض الأشكال الموجودة, وقوة منظمة تميل إلي وحدة شاعرية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت