فهرس الكتاب

الصفحة 6485 من 27345

ومصطلح قصيدة النثر نفسه يشير إلي هذه الثنائية: إذ إن من يكتب بالنثر يتمرد علي التقاليد العروضية والأسلوبية.. ومن يكتب قصيدة يرمي إلي خلق شكل منظم, مغلق علي نفسه, ومنفصل عن الزمان. ص157.

إنها جنس وافد

والمعروف أن «قصيدة النثر» جنس وافد أطلقته, وتبنته مجلة «شعر» , وهو ترجمة للمصطلح الفرنسي Poeme en Prose . وإن كان لها - كما يري بعض النقاد - حضور سابق علي مرحلة الحداثة, تحت مصطلح ثنائي أيضا هو «الشعر المنثور» أو «النثر الشعري» , ولكن الحداثيين فضلوا مصطلح «قصيدة النثر» الذي وفد علينا, مع مجموع ما وفد من ظواهر الحداثة في الإبداع والنقد.

ولسنا في مقام تتبع ما أرسته التنظيرات من ملامح «قصيدة النثر» , فذلك ما لا يتسع له المقام, ونري أن النماذج المتوافرة يمكن أن تبوح بكثير من هذه الملامح, من ذلك ما كتبه «أدونيس» تحت عنوان «تكوين» :

اخرج إلي الأرض أيها الطفل

خرج

هبط من الحرف

أ ح د= د ح أ الأرض

دائما يصنع طريقا لا تقود إلي مكان

أ ن أ

منفية بقوة الحضور

كالهواء

وهي هي

كل شيء يتغير ويتبقي

أ ن أ = أ ن أ.. إلخ.

عبثيات...عبثيات

وهذا الكلام المثقل بهذه الرموز, وهذه الحروف, وهذا الغموض والانغلاق والابهام, محروم تماما من «الشعرية» في معناه وفحواه, وموسيقاه, وقوالبه اللفظية الغريبة.

وعن «دفنتُ الأم» يقول الحداثي حلمي سالم:

هذه أمي علي باب وسط الدار

دلا لها بادي في حسرها غطاء الرأس

ومدينتها في الابتسامة

لكن نصفها الأسفل

-من الضلوع حتي البانٍتُوفًل-

متآكل

يلزمني أن أراها واقفة

لأنني عدت من دفنها

قبل أن يتاح لي أن أفرد أصابعها!

إنها «سطور» وعبارات لا يربط بينها ضبط فكري أو شعوري, مع جرأة علي حرمة اللغة العربية باستعمال كلمة أجنبية مثل «البانتوفل» , وانغلاق في المعني. ومثل هذا «التشكيل» المشْكِل لا يشد إليه القارئ, ولا يهز منه فكرا, أو شعورا.

ويجمع «القصنثريون» - أي دعاة قصيدة النثر - إلي الغموض وانغلاق المعني - غثاثة الصور, ودمامة الخيال إلي درجة خدش الحياء, وإثارة الغثيان أحيانا, وأغلبه خيال جزئي تفسيري غريب, لا يصنع لوحة فنية, أو صورة كلية متكاملة. وذلك ما نراه في السطور الآتية, وهي بعنوان «فقط» , من ديوان جرجس شكري «بلا مقابل أسقط أسفل حذائي» :

أتحسس وجهي, وأدخن تبغا رديئا

وبملل

أغلق النافذة

علي نصف قمر, وليل مر

وخيانة يوم

وعفونة آخر

لأصحو بسروال بللته الكوابيس

مع فتاة بغير ملامح

ويسقط كل الوقت

بين الصمت واللاشيء.

خلاصة المثالب ....

والنماذج التي قدمناها تبين - ولا شك - عما يثقل ما يسمي بقصيدة النثر من مثالب, وما يسجل عليها من مآخذ:

1-فهي تجنح إلي الغموض والانغلاق, وكأن الكلمات فيها رموز مبهمة توجه إلي لا شيء.

2-وهي خالية تماما من الموسيقي, وهي أهم ما يفرق بين الشعر والنثر.

3-وهي تفتقر إلي الترابط الفكري والشعوري بين أجزائها, مما يقطع بأنها لم تنطق من تجربة شعورية ناضجة صادقة, بل تنطلق من حرص أصحابها علي التغليق والتغميض, معتقدين أن هذا يمثل لونا من التفوق الفني.

4-وهي تتمرد علي المواريث الدينية والخلقية, وعلي القيم الفكرية والأدبية.

5-وهي تتوسع في الاشتقاقات اللغوية بلا ضوابط, وتدمر اللغة, وتخرج علي قواعدها, وتوظف الرموز الرياضية والهندسية, والألفاظ العامية والأجنبية, مما يفقدها تحقيق التناسب اللغوي في الأداء التعبيري.

فالواحدة من هذا اللون تتسع لألفاظ فصيحة, ومشتقات علي غير قياس, وكلمات عامية, وكلمات أجنبية, وأشكال ورموز هندسية وجبرية.

وهذا التنافر اللغوي يعد من أهم الأسباب التي تفقدها تكاملها وتماسكها, بحيث لا يؤثر في طبيعتها حذف جزئية من جزئياتها. إنها - كما يقول الأستاذ سامي مهدي - شظايا متناثرة لا يجمعها جامع, وركام من الألفاظ والصور لا ينتظمه خيط موضوعي, ولا ينظمه نظام. فلا عجب أن تولد ميتة, شأنها شأن كل «إبداعات» الحداثيين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت