وأمّا الخطابُ الدينيُّ فهو طرقُ ووسائلُ تبليغ ِ المنظومةِ الدّينيّةِ ، وكيفيّة ُ التعبير ِ عنها ، وهناكَ من يخلطُ بينَ هذين ِ الأمرين ِ ، فيجعلُ الخطابَ الدينيَّ مُرادفًا للنصِّ ، ولهذا يجبُ تحريرُ المصطلح ِ قبلَ الخوض ِ في نقاشهِ وتبيينهِ ، حتّى لا نجورَ في الأحكام ِ ، أو نقعَ أسرى لبريق ِ مصطلح ٍ بينما صاحبهُ يقصدُ أمرًا آخرَ .
اختلفتْ طرق ُ المفكّرينَ المعاصرينَ في التعامل ِ مع النصِّ ، ويأتي على رأس ِ ذلكَ أربعة ُ مدارسَ:
-المدرسة ُ الإلحاديّة ُ: وهم الذين لا يرونَ للنصِّ أيّة قيمة ً تُذكرُ ، وتأثيرهُ الاجتماعيُّ كانَ محدودًا بالزمن ِ الذي نشأ فيهِ والظروفِ البدائيةِ التي عالجها ، وأمّا الآن فقد انتهى عصرُ النصوص ِ وجاءُ عصرُ العقل ِ والبراهين ِ الثابتةِ - الماديّةِ والتجريبيّةِ - ، ويرى هؤلاءِ ضرورة َ فكِّ الارتباطِ بينَ العقل ِ والنصِّ ، وإزالةِ القدسيّةِ عن جميع ِ ما يُخالفُ العقلَ ، والعقلُ عندهم مقصورٌ على المحسوس ِ التجريبيِّ .
كما أنّهم يميلونَ إلى النظرةِ التشكيكيّةِ ، وينطلقونَ منها نحوَ النقدِ وإعادةِ التشكيل ِ للفكرةِ ، وهذا مذهبٌ باطلٌ ، ولا يشكُّ عاقلٌ في أنَّ المعارفَ لا تنشأ من فراغ ٍ ، أو تولدُ من الصفر ِ ، وإنّما هي مجموعة ٌ متوالية ٌ تترسّخُ بمرور ِ الوقتِ ، ولا يمكنُ لباحثٍ مهما بلغتْ درجة ُ حياديتهِ أن ينفيَ عن نفسهِ التأثيرَ والتكوينَ المعرفيِّ ، وأثرَ ذلكَ على نتيجةِ بحثهِ وحكمهِ .
وبعضُ هؤلاءِ - خاصّة ً الماركسيينَ منهم - يرى أنَّ النصَّ إنّما هو قيمة ٌ جماليّة ٌ ، وأدبٌ راق ٍ ، شأنهُ شأنُ بقيّةِ الآدابِ ، يُعاملُ كقطعةٍ نثريّةٍ ، ويُخضعُ لمعايير ِ النقدِ الحديثةِ ، وأمّا جعلهُ حاكمًا على الحياةِ وعلى الأفعال ِ فهذا أمرٌ مردودٌ ، واعتبارُهم للنصِّ من بابِ الاعتبار ِ للأديان ِ مع كفرهم بها ، فهم يرون الأديانَ تجربة وظاهرة اجتماعية تستحقُّ النظرَ ، لا أنّها أمرٌ ربّانيٌّ يجبُ على البشريةِ الالتزامُ بهِ ، وهكذا هم مع النصِّ يرونهُ قطعةً أدبيةً يُقرأ أدبًا وتذوّقًا .
وهذه المدرسة ُ تضمُّ في ثناياه أطيافًا شتّىً منهم: التغريبيّونَ ، والماركسيّونَ ، والعلمانيّونَ ، وملاحدة ُ العقلانيّةِ ، وآخرونَ يظهرُ ذلكَ من خلال ِ مفرداتِ أبحاثِهم ، ويجمعُهم جميعًا أنَّ منطلقاتِهم إلحاديّة ٌ صِرفة ٌ ، فلا يرونَ أثرًا للدّين ِ في حياةِ النّاس ِ ، ويعدّونهُ طريقة ً اجتماعيّة ً ، وينتحلونَ مذاهبَ معاصرةٍ تسلُكَ طريقَ الإلحادِ والرفض ِ التامِّ للدّين ِ الإسلاميِّ ، أو تأويلهِ تأويلًا يأتي على أصلهِ بالبطلان ِ ، كمن يفرّقُ بينَ الدّين ِ في روحانياتهِ وبين تطبيقهِ في الحياةِ ، أو يرونَ الدّينَ مرحلة ً من مراحل ِ الماركسيّةِ .
-المدرسة ُ العقلانيّة ُ: وهم الذين يرون ضرورة َ إخضاع ِ النصوص ِ الشرعيّةِ للعقل ِ ، فما وافقَ العقلَ قُبلَ ، وما تعارضَ معهُ وجبَ رفضهُ: فإنْ كانَ نصًّا من القرءان ِ وجبَ تأويلهِ ، وذلكَ لأنّهم لا يقدرونَ على إظهار ِرفض ِ القرءان ِ مباشرة ً ، لعلّهم بأثر ذلك وحتّى لا يُكفّرهم النّاسُ ، وأمّا إنْ كانَ النصُّ من السنّةِ فإنّهم يردونهُ مباشرة ً ولو كانَ مُتواترًا .
-المتأثرونَ بالعقلانيّةِ: وهؤلاءِ لا يُعارضونَ النّصوصَ بالعقل ِ ، ولكنْ وقعَ عندهم تأويلٌ للكثير ِ من النّصوص ِ ، أو قاموا بتأويل ِ بعضِها حتّى تتكيّفَ مع الواقع ِ ، ولكنّهم لم يُوافقوا المدرسة َ العقليّةَ في جميع ِ الأصول ِ الفكريّةِ .
ويدخلُ ضمنَ هؤلاءِ كثيرٌ من العصرانيينَ المُعاصرينَ ، وكذلكَ بعضُ الذين لم يكتملْ خلاصُهم من الأفكار ِ القديمةِ التي تبنّوها .
-المدرسة ُ الشرعيّة ُ: وهم الذين يرونَ حُجّية َ النصوص ِ باعتبارِها موردًا رئيسًا للأحكام ِ والتشريعاتِ ، ويرونَ صلاحيتها لكلِّ زمان ٍ ومكان ٍ ، حسبَ ما وردَ في مقاصدِ الشريعةِ التي راعتِ المصالحَ والمفاسدَ .
الغرضُ من التقسيم ِ السابق ِ - تقسيمٌ لفهم ِ المسألةِ فقط - هو تمييزُ الدعواتِ التي تنطلقُ بينَ فينةٍ وأخرى ، ويُطالبُ فيها أصحابُها بضرورةِ المراجعاتِ في النصِّ والخطابِ الدينيِّ .
أصحابُ المدرسةِ الإلحاديّةِ لا يرونَ للنصِّ - بقسميهِ كِتابًا وسُنّة ً - أي قيمةٍ دلاليّةٍ ، ويرونَ الدّينَ ظاهرة ً اجتماعيّة ً فقط ، ولهذا فهم في نقدِهم للنصِّ إمّا أن يقوموا بالتشكيكِ في ثبوتهِ ويجعلونهُ من الأساطير ِ ، أو أن يُضيّقوا دائرة َ تأثيرهِ ليجعلوهُ في الماضي ، وأمّا الحاضرُ فهو عصرٌ تحكمهُ التغيّراتُ المتلاحقة ُ - الصيرورة ُ - ويتطلّبُ من الذين يعيشونَ فيهِ أن يتفاعلوا معهُ ويتكيّفوا عليهِ بكافّةِ صورهِ وأشكالهِ ، والنصُّ لجمودهِ وثباتهِ يعوقُ حركة َ التاريخ ِ والتقدّم ِ ، فوجبَ تجاوزهُ .