فهرس الكتاب

الصفحة 10344 من 27345

ومنهم من يرى أنَّ النصَّ القرآنيَّ عِبارة ٌ عن مجازاتٍ ، ليسَ لها حقيقة ٌ واحدة ٌ ثابتة ٌ ، ويحقُّ لمن شاءَ أن يُفسّرهُ ، وهذا التفسيرُ محكومٌ بالحركةِ التاريخيّةِ ، فأبطلوا التفسيرَ الذي اختارهُ الصحابة ُ وأهلُ العلم ِ ولو كانَ مُتفقًا عليهِ ، وأتوا بتفسيراتٍ جديدةٍ توافقُ ما يريدونهُ من أفكار ٍ ومذاهبَ ، وهذا يجري كثيرًا في كلام ِ محمّد أركون ، وهو أيضًا رأي أغلبِ الماركسيينَ ، فهم برغم ِ حربِهم على الإسلام ِ ، وتأصيلهم للمذهبِ الماركسيِّ المُصادم ِ للدّين ِ ، إلا أنّهم يستشهدونَ بالآياتِ القرآنيّةِ في سبيل ِ إثباتِ نظريّاتِهم الماركسيّةِ ، وقد فعلَ هذا كثيرًا حُسين مروة وطيب تيزينيِّ وغيرُهم من أقطابِ الماسونيّةِ العربيّةِ .

وهؤلاءِ في نقدهم للنصِّ أو الخطابِ الدينيِّ إنّما يُريدونَ التحرّرَ من الدّين ِ كلّهِ ، فإذا قرأتَ لأحدِ هؤلاءِ كلامًا حولَ النصِّ أو الخطابِ الدينيِّ ، فلا بُدَّ من معرفةِ منطلقهِ الإلحاديِّ ، والسياق ِ الذي وردَ فيهِ كلامهُ ، ولا يكفي أن يغترَّ الإنسانُ بظاهر ِ كلامهم ، فهم يعمدونَ إلى التزييفِ كثيرًا ، وإلى تلطيفِ العبارةِ ، كقولِهم مثلًا: النصوصُ مجازاتٌ ، أو أنَّ النّصوصَ متعالية على الواقع ِ ، وما إلى هنالكَ من الألفاظِ المشابهةِ لها .

ويأتي على رأس ِ هذه المدرسةِ: محمّد أركون ، هشام جعيط ، زكي نجيب محمود ، فؤاد زكريا ، نصر حامد أبو زيد ، حُسين مروة ، طيب تيزيني ، وغيرُهم كثيرٌ - لا كثّرهم اللهُ - .

ويكثرُ تعلّقُ هؤلاءِ بالمذاهبِ الفكريّةِ والأدبيّةِ المُعاصرةِ المُلحدةِ ، وتجدُ نفَسَ الاستشراق ِ ظاهرًا فيما يكتبونهُ ، مع أنّهم يدعونَ التجرّدَ والموضوعيّة َ بعيدًا عن تأثير ِ الأيدلوجياتِ والأفكار ِ أيًّا كانَ مصدرُها: فمحمّد أركونَ - مثلًا - يحتذي كثيرًا طريقة َ أستاذهِ ميشيل فوكو في البنيويّةِ والتحليل ِ التفكيكيِّ ، كما أنّهُ ينتمي إلى المدرسةِ الاستشراقيّةِ في طريقةِ تعرّضهِ ودراستهِ للإسلام ِ وعلومهِ ، وزكي نجيب محمود يمشي على طريقةِ الوضعيينَ ، وحُسين مروة وطيب تيزيني ماركسيّونَ ماديّونَ ، وفؤاد زكريّا أخذ َ كثيرًا من آراءهِ النقديّة َ من المفكّر ِ العقلانيِّ اليهوديِّ سبينوزا ، صاحبِ المذهبِ التشكيكيِّ النقديِّ الذي نقدَ بهِ الدّيانة َ اليهوديّة َ .

والحديثُ عن محمّد أركونَ خاصّة ً لهُ مناسبة ٌ قادمة ٌ ، في مقالةٍ عنهُ وعن فكرهِ - بحول ِ اللهِ تعالى - .

والنّقاشُ مع هؤلاءِ هو من جنس ِ النّقاش ِ مع الملاحدةِ ، يكونُ بتقرير ِ أصول ِ المسائل ِ العقديّةِ وإثباتِها ، ببراهين ِ الحسِّ والعقل ِ والخبر ِ العاضدِ ، إذ أنَّ أكثرَهم لا يؤمنُ بشيءٍ إلا المحسوسَ فقط ، ولهذا يقولُ فؤاد زكريّا في ردّهِ على من طلبَ مناقشتهُ أنّهُ سوفَ يُجيبهُ ، شريطة َ أن لا يُحاكمهُ أو يُلزمهُ بأي سُلطةٍ ، والسلطة ُ التي يقصدُها إنّما هي النصُّ الشرعيُّ ، يقولُ في ذلكَ:"وإذا كانَ لمؤلّفِ هذا الكتابِ من أمنيّةٍ ، فهو إلا يلجأ المعترضونَ عليهِ - وهم قطعًا كثيرونَ - إلى منهج ِ السُّلطةِ في مناقشةِ آرائهِ ، أعني أن لا يضعوا أفكارهُ في مواجهةِ سُلطةِ النصِّ"، والنقلُ السابقُ من كتابهِ"الصحوة ُ الإسلاميّة ُ في ميزان ِ العقل ِ".

ومن السماتِ الواضحةِ لمن يقرأ في كتبِ من سلفتْ أسمائهم ، أنّهم يحتذونَ المناهجَ الغربيّة َ في البحثِ والدراسةِ والنقدِ والتحليل ِ ، ويقضونَ لها بالدقّةِ والعمق ِ ، ويُحاكمونَ إليها نصوصَ الشريعةِ الإسلاميّةِ ، ويُخضعونَ لها التراثَ الإسلاميَّ بكافّةِ تفاصيلهِ ، ومع البون ِ الشاسع ِ بين ِ التراثِ الإسلاميِّ الذي مرّتْ عليهِ قرونٌ من النقدِ والمناقشةِ والتحليل ِ ، حتّى ثبتَ وصارَ نقيًّا وأُرسيتْ لهُ معاييرُ ثابتة ٌ للنقد ِ والبحثِ العلميِّ ، وبينَ المدارس ِ النقديّةِ الغربيّةِ المُعاصرةِ ، والتي تصلحُ أن تطبّقَ على النظريّاتِ الغربيّةِ ، تلكَ النظرياتُ التي لا تقومُ على قدم ِ البحثِ العلميِّ أبدًا ، ويكفي أن أشيرَ هنا إلى أنَّ نظريّة َ داروين في النشوءِ والارتقاءِ والانتخابِ الطبعيِّ ، مرَّ عليها مئة ُ سنةٍ ، ووضعتْ على ميزان ِ النقدِ والتحليل ِ فأثبتتْ فشلها الذريعَ ، مع أنّها كانتْ يومًا من الأيّام ِ ثورة ً في مجال ِ العلوم ِ ، وفتحًا عظيمًا ! ، وقل مثلَ ذلكَ على نظريّاتِ ماركس ، وفرويد ، وغيرِهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت