الجواب ـ والله أعلم ـ: لأن هناك ما يطير في الفضاء ويحلق في الأجواء ولكنه ليس أمما أمثالنا ، وإنما هو شيء مختلف وصنع مختلف ، لا يدركه الإنسان العربي القديم في عصره ، ولا يعرف عنه شيئا . أما إنسان عصر العلم والتكنولوجيا وغزو الفضاء ؛ فإنه يعرفه تمام المعرفة ، لأنه رآه بعينه وسمعه بأذنه ، وشاهد فعله وأثره ، وأدرك خيره وشره . ألا ترى عزيز القارئ كيف تحول الفضاء حول الأرض في هذا العصر إلى شبكة من الخطوط الملاحية التي تطير فيها الطائرات وتعبرها النفاثات محلقة في الفضاء ، مختصرة مسافات الأرض ، مختزلة أبعاد الزمان . ولكنها كلها تطير مدفوعة بقوة احتراق الوقود . فإذا لم تزود خزاناتها بالوقود النفاث ظلت جاثمة في أماكنها عاجزة عن الطيران . وإذا نفد وقودها وهي في الجو هوت ركاما وأمست حطاما . إن هذه الأجسام الطائرة في جو السماء لا تطير طيرانا ذاتيا بأجنحتها بل بقوة احتراق الوقود ، فهل هي أمم أمثالنا ؟
تتضح حكمة الله تعالى هنا ، ويبرز وجه الإعجاز البياني القرآني بذكر هذه العبارة التي استثنت من طيور السماء كل ما أخرجته مصانع الطائرات العسكرية والمدنية من وسائط النقل الجوي في هذا العصر . ولو لم تأت هذه العبارة الاحترازية الإعجازية ( يطير بجناحيه ) لكان لقائل أن يقول: إن القرآن لا يفرق بين الكائن الحي والجماد ولا بين الطائر الحقيقي والطائر الصناعي ، إذ كيف تكون الطائرات النفاثة والمروحية وغيرها أمما أمثال البشر ؟؟ إن هذا لمحال .
لقد كان كافيا للعربي زمن نزول القرآن ليدرك المعنى أن تأتي الآية من غير هذه العبارة التي تساءل عن سر ذكرها المفسرون ، ولكن القرآن لم ينزل للعرب فحسب ، ولا لذلك الزمان وحده ، وإنما نزل للعالمين وإلى يوم الدين . وصدق الله العظيم إذ يقول: ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) .