فهرس الكتاب

الصفحة 3698 من 27345

ولقد قال بعض الصحابة كلمة- وقد قيل إنها انطلقت أو خرجت من بعض مسلمة الفتح في غزوة حنين- لما رأى الكثرة المدججة بالسلاح، وهي تبلغ اثني عشر ألفًا، قال: لن نغلب اليوم من قلة، قال سبحانه: { لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ [25] ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ [26] ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [27] } [سورة التوبة] .

فأخبر سبحانه وتعالى أن هذه الكلمة كانت سببًا في الهزيمة؛ لأن الإنسان إذا أعجب بنفسه نسي الله تبارك وتعالى وقوته، وأن النصر من عنده جل وعلا .

علينا أن نعد العدة لأعدائنا بما استطعنا: ونبدأ أولا بإعداد العدة المعنوية، وإصلاح الجبهة الداخلية التي هي مصدر القوة الخارجية، فإن الإنسان يجاهد أربعة أعداء:

• أولها: نفسه التي بين جنبيه

• ثانيها: هواه وشيطانه

فإن لم ينتصر على نفسه وهواه وشيطانه؛ لا نتوقع منه أن ينتصر على العدو الكافر، أو المنافق الفاجر، فلابد أن يبدأ الإنسان بإعداد العدة الروحانية، والانتصار على نفسه وهواه وشيطانه، وتطويع نفسه أي أن تكون مطيعة لله، تابعة لرسوله صلى الله عليه وسلم .

وأما الاستعجال وترك الإعداد الروحاني، والبناء النفساني؛ فإنه مذموم، قد ذمه الله وقال: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَءَاتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [77] } [سورة النساء] . فهذه الآية تتحدث عن طائفة ممن كان مع النبي صلى الله عليه وسلم بمكة، كانوا يتوقون للجهاد والقتال، ويتمنون قتال أعداء الله من المشركين، لكن الله تعالى لم يأذن لهم بذلك؛ لأن في قتالهم لهم مفسدة كبرى، ولأنهم لم تكتمل أنفسهم، ولم يكتمل بناء أنفسهم، فأراد الله أن يكون ذلك في حينه، وقال أصحاب البيعة، بيعة العقبة الثانية من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم:' إن شئت منا أن نميل على أهل الوادي' يقصدون أهل منى في الموسم، فقال صلى الله عليه وسلم: [إِِنِّي لَمْ أُومَرْ بِذَلِكَ] . فالاستعجال بهذا الباب يضر الأمة ولا ينفعها .

? فاصدقوا الله سبحانه وتعالى في عقائدكم، ونياتكم، وأقوالكم وأعمالكم، واعبدوه مخلصين له الدين، والتزموا شريعته، وأطيعوا رسوله، غير مغالين، ولا مفرطين، بل أمة وسطا كما أمركم الله، وانصروا الله تعالى بالانتصار على أنفسكم وأهوائكم وشهواتكم؛ ينصركم الله سبحانه، وانصروا الله بالغيرة على دينه، وتغيير المنكر بما استطعتم، وذودوا عن توحيد رب العالمين، وعن عقيدتكم التي هي سبب فلاحكم ونجاحكم وسعادتكم في الدنيا والآخرة فإن الله يقول: { يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [7] } [سورة محمد] .ويقول جل وعلا: { كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ [21] } [سورة المجادلة] . وقال سبحانه وتعالى: { وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ [40] الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ [41] } [سورة الحج] . ويقول جل وعلا: { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ [55] } [سورة النور] . ويقول سبحانه: { وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ [105] } [سورة الأنبياء] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت