وأذكر أو تتداعى الوقائع إلى ذهني، أذكر الجبار الغليظ في الجاهلية العُتَّلُ المستكبر في الجاهلية أذكر عمر، ذلك الطود الشامخ ذلك الطراز الفريد من الرجال، تولى الخلافة بعد أبي بكر رضي الله عنه، وكان يضع سلطانه على ممالك الدنيا القديمة المعروفة آنذاك، كان أكبر قوة على وجه الأرض في ذلك التاريخ، وكان أقوى حاكم وأشدهم رهبة في صدور الأعداء والأصدقاء على السواء، كان يمشي يومًا ومعه ابنه عبد الله بن عمر ومعه جِلَّة الصحابة حتى إذا كان في مكان ما ومن غير مقدمات، وبلا مناسبة استوقف الناس وقال:
"قد -والله- أذكر أنني كنت أرعى للخطاب غنمًا في هذا المكان، وكان بي عنيفًا وعليَّ غليظًا، وكان".
وكان فالتفت إليه ابنه عبد الله يقول:
"يا أبتي علام تضع نفسك؟ لماذا تقول هذه الذكريات التي تنزل من قيمتك؟"
قال له: يا بني إن أباك قد أعجبته نفسه فأحبَّ أن يضعها.. يعني أحبَّ أن يهينها وأن يذلها.. خلق مضيء..!
في الواقع لو شئت أن أسترسل في عد الوقائع اللواتي من هذا النوع لطال بنا القول إلى غير ما حد، فتلك الأيام الزاهية العظيمة حفلت بهذه النماذج التي نسيت أنفسها وذكرت الله تبارك وتعالى، أماتت شهواتها ورغباتها وأحيت في قلوبها مخافة الله تبارك وتعالى، نسيت كل شيء وذكرت الأمر والنهي فقط، أما ما يكون من جراء الأمر والنهي من كسب أو خسارة من أمن أو خوف فذلك غير منظور إليه.
هذه المعاني أثارتها في نفسي هاتان الكلمتان (ولا تمنن تستكثر) ، هنالك إذًا طراز خاص من التربية أُعِدَّ المسلمون به لكي يكونوا أهلًا لحمل الرسالة، وإذا فشلت التربية عن أن تبلغ بالناس هذه المبالغ فالرسالة باقية في مكانها لا يطالها تغيير ولا تحريف طبعًا، ولكن أصحاب الرسالة من كلفوا بها سوف يدخلون في دوامة هائلة من التدهور والانحلال والانحطاط حتى يأذن الله بواحد من شيئين، إما أن يتداركهم بالرحمة واللطف فيفتح القلوب المقفلة بوسيلة ما، وإما أن يتركهم لأنفسهم وينساهم كما نسوه ويستبدل بهم قومًا غيرهم لن يكونوا مثلهم ولا على شاكلتهم، هذه الكلمات أثارت في ذهني هذه الأمور لكي نضع أيدينا جميعًا على حقيقة ما أظنكم تجهلونها لكثرة ما رددناها، ولكثرة ما أكدنا عليها ونحن سوف نظل نؤكد عليها لأن كل حديث غيرها عبث لا محصل من ورائه.
إن هذا الإسلام الذي جعله الله تعالى أمانة في أعناقنا، بل محنة قاسية رهيبة لا يكفيه منا ولا يكفينا منه مجرد الادعاء ومجرد الانتساب، إن هذا الإسلام عملية تهذيب وتعليم طويلة الأمد شاقة المراحل، فالإنسان إذا ترك نفسه لما يتحرك فيها من نوازع دون رقابة ودون محاولة جادة منه ليردَّ عن ميدان الشعور والعمل كلَّ نازعٍ لا يتفق مع رضوان الله؛ فهذا الإسلام حجة الله على هذا الإنسان، الإسلام يطلب من المسلم رقابة مستمرة، رقابة تكون على ضوء ما طلب الله تعالى. الميزان بين يديك؛ كتاب وسنة فيها كل ما أراد الله من الناس ولمصلحة الناس لا مصلحة لله في هذا فرقابتك إذًا يجب أن تكون على ضوء الكتاب والسنة.
انظر ما طلب الله فافعله وجرد نفسك من كل هاجس ومن كل نازع يدعوك إلى أن تتخلى عما طلب الله منك، انظر كل ما نهاك الله عنه فاجتنبه، واطرد من نفسك كل رغباتك وكل شهواتك، صحيح قد تزين لك نفسك الأمر الممنوع، وصحيح قد تجد للأمر الممنوع حلاوة، وقد تهش له نفسك؛ ولكن احذر.. بعد هذه الحلاوة مرارةٌ لا يمكن أن تزول، بعد هذه الحلاوة ندامة تعيش معك ما عشت، وتدخل معك قبرك عذابًا واصبًا وتعاقبك في الحشر لتقذف بك في جهنم. إياك.. ما ينبغي لك أن تكون عليه، موقف الرقابة هذا؛ إن أحسنت كنت على النحو الذي أراده الله، وإن أهملت وتمنيت على الله الأماني أوردت نفسك الموارد فالله جل وعلا إذ يقول لنبيه (ولا تمنن تستكثر ولربك فاصبر) هذا في باب الكلام هين؛ ولكن في باب التطبيق أمر صعب وشاق للغاية ولا يطيقه إلا الذي قطع في التجربة مراحل طويلة، جرب اخرج الآن من المسجد مازال غبار المسجد على جبينك وعلى كفيك وعلى ركبتيك، ما زالت روائح الطاعة والعبادة في أردانك؛ ومع ذلك فعلى باب المسجد جرب إن شتمك إنسان أو أساء؛ إليك أتستطيع أن تملك نفسك إنك ربما بادرته إلى الشتيمة وما هو أكبر من الشتيمة، إذًا فماذا أفادتك العبادة؟ وما أفادك انتسابك للإسلام؟
في الأصل إن لم يكن الإسلام داعيًا لك إلى أن تكفكف من غَرَبِ النفس إلى أن ترد من نوازعك السيئة والشريرة، إلى أن تأخذ نفسك بالصبر الطويل الشاق المرهق؛ فلماذا أنت مسلم؟ وإذًا فهنا ومن هذا المثل البسيط جدًا.... كل شيء واقع تحت الطاقة تحت المقدور والله يقول: