(لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها) وإنما شق الأمر وصعب على هؤلاء والذين تركوا أنفسهم على هواها، ولم يحاولوا أن يقوموا بأي مجهود يردهم عما هم عليه من فاسد الطبائع وسيء الأخلاق، ومستهجن السلوك، فإذًا هذا الكلام حينما نسمعه طبعًا قلنا هو موجه للنبي عليه الصلاة والسلام ولكن هو أيضًا موجه للمؤمنين عامة يجب أن نفهمه بتلك التبعات التي يستلزمها هذا الكلام، وبكل العزم والتصميم الذي يجب أن نقدمه كي نتلاءم مع هذا الأفق الرفيع العالي، الذي رفع الإسلام إليه أسلافنا الأوائل العظام الذين تتجرأ عليهم وتتطاول عليهم ألسنة السِّفْلَةِ الذين لا يساوون غبار نعال أولئك الناس.
ثم نسير لنصادف بعد ذلك قول الله تبارك وتعالى:
)فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير(.
ننظر في الصياغة وما توحيه لأن الصياغة كما قلنا دائمًا عندنا هي الأساس، كل لغة لها منطق، ولغة العرب لها منطقها الخاص الذي لا يستقيم لنا فهم الكلام البليغ بغيابها، أما الناقور فهو الصور إجماعًا الذي ينفخ فيه إسرافيل عند قيام الساعة فيقوم الناس لرب العالمين، فالله جل وعلا بعد أن مضى الكلام للنبي صلى الله عليه وسلم يدعوه إلى التشمير ويدعوه إلى القيام، ويدعوه إلى الإنذار، ويدعوه إلى العطاء بغير منّ وبغير قطع، وبغير استطالة على الناس، وبغير رؤية للنفس، ويدعوه إلى الصبر بلا حدود، وفي مواجهة آيات أخرى تعرض لموقف المكيين والمشركين، يأتي هذا الكلام متوسطًا بين هذين الجزأين (فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير) المؤمن المتقي حتى وهو في أقصى حالات العمل والعطاء والبذل محتاج إلى أن يُذَكَّرَ بالله، ومحتاج إلى أن يُذَكَّرَ بهول الموقف بين يدي الله تبارك وتعالى لماذا؟ لأن العمل مهما كثر ومهما عظم ومهما طالت مدة أدائه ليس هو جواز السفر الذي يدخل الإنسان الجنة، دخول الجنة تبع لرضوان الله ورضوانُ الله جل وعلا مَحْضُ التفضل، مَحْضُ العطاء من الله بلا نظر إلى العمل إطلاقًا، ولهذا فإن محمدًا صلى الله تعالى عليه وآله يقول:
"لا يدخل الجنة أحد بعمله قالوا حتى أنت يا رسول الله قال حتى أنا إن لم يتغمدني الله برحمته".
فالعمل مهما يكن شأنه ووصفه، ليس هو جواز المرور إلى الجنة؛ وإنما رحمة الله هي التي توصل الإنسان إلى الجنة لأنها دليل رضوانه، والله إذا رضي على عبد لا يسخط عليه أبدًا فالعبد العامل إذًا محتاج إلى التذكير بهول يوم القيامة كي لا يقصر، كي يعمل وهو على شرف الخوف من أن يرد الله عليه عمله وأن لا يتقبل منه قرباته:
)الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربِّهم راجعون(.
وقد سألت عائشة رضي الله عنها رسول الله صلى الله عليه وآله عن هؤلاء فقالت يا رسول الله هم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون عفوًا قالت هم الذين لا ينفقون؟
قال لا يا ابنة الصديق هم الذين يقومون بالذي عليهم ويخافون أن لا يقبل الله تعالى منهم.
فإذًا الإنسان المتقي محتاج إلى هذا التذكير.
)فإذا نقر في الناقر فذلك يومئذ يوم عسير ( ثم ) على الكافرين غير يسير(.
أيضًا الصنف الثاني.. الآيات التي تقص هذا المشهد محتاجون إلى أن يُذَكَّروا بهذا، محتاجون إلى أن تقرع أسماعهم، وتقرع ضمائرهم وقلوبهم بالشيء البديهي، بالشيء الذي يدركه حتى عامة الناس، هؤلاء البشر. نحن انحدرنا من أصلاب رجال أين هم؟ ضمَّهم الثرى؛ أولئك أيضًا كانوا أبناء رجال أي هم ذهبوا أمواتًا فهل من المعقول أن هذه الدنيا التي تطحن الناس جيلًا بعد جيل لا يكون لهم معاد إلى الله؟ وهل يعجز الله تعالى عن أن ينشئ الناس النشأة الأخرى؟
لا بد من موقف يصير إليه الإنسان بين يدي الديان العدل، فالكافر محتاج إلى أن يلفت نظره إلى هذه الواقعة البشرية وهي أن الناس يفنون، وأن الموت يأتي عليهم، وأن الخلود في الدنيا لا سبيل إليه، وأن الإنسان صائر إلى الرب الذي أوجده وأنشأه أول مرة، محتاجون إلى ذلك كي يتعظوا وكي يدركوا، لكن الإعجاز ليس هنا، انتبهوا إلى إعجاز الصياغة، فئتان كما قلنا: أولى الفئتين فئة المؤمنين العاملين المجدين، والفئة الثانية فئة الكافرين الضالين المكذبين. كيف وُزِّع، وكما قلت في أول الحديث، الكلامُ عند الذي -يحسن الكلام والله جل وعلا هو الذي أتقن كل شيء- له هندسة خاصة لو وزع على توزيع مغاير، لفسد الكلام والمعنى جميعًا، عندنا فئتان أولاهما: مؤمنة وثانيتهما جاحدة ومكذبة كيف وزعت هاتان الآيتان عليهما قال:
)فإذا نقر في الناقور فذلك يومئذ يوم عسير على الكافرين غير يسير(.