يوم عسير ويوم غير يسير؛ ظاهر الأمر لمن لا يحسن ذوق الكلام، ولمن لا يقرأ ما وراء الكلام، يشعر أن هنا تطابقًا بالمعنيين؛ يوم عسير ويوم غير يسير، هذا يساوي هذا لكن فكروا أكثر؛ إن الله حين يقول: فذلك يومئذ يوم عسير، يصف ماذا يصف اليوم؛ فاليوم بذاته عسير دون ريب ما في ذلك إشكال. لكن اليوم شيء والذين يقفون بين يدي الله في ذلك اليوم شيء آخر، فذلك اليوم بذاته يوم عسير؛ ولكنه قد يكون يسيرًا على من يسره الله تعالى عليه دون أن تنتقص هذه الصفة التي وصف بها اليوم فهو عسير ولكن عسره لا يمنع أن الله قد يلطف ببعض الناس ذلك اليوم فإذا هذا اليوم عليهم برد وسلام، وإذا هم لا يشعرون بشيء من عسر هذا اليوم بإطلاق.
لكن الجملة الثانية على الكافرين غير يسير، العسر: لا يعود موصوفًا به اليوم وإنما يوصف به حال الناس الكافرين، فبالنسبة للكافرين هو غير يسير، يعني أنه عسير على الكافرين مطلقًا؛ لا يمكن أن يخفف عليهم ولا يمكن أن يكون يسيرًا عليهم في حال من الأحوال، هذا معنى الكلام حينما نحاول أن نتعمق به بعض الشيء؛ إعجاز الصياغة هنا حينما نتحدث عن هذا الأسلوب متعرفين على طريقة التوزيع؛ قلنا إن الفئة الأولى هي الفئة المؤمنة، والفئة الثانية هي الفئة الكافرة بالنسبة للفئة المؤمنة كان التوزيع يقضي بأن تكون الجملة المشعرة بأن اليوم عسير، ولكن احتمال تيسيره على المؤمنين وارد، كانت على أثر الحديث عن المؤمنين، ولكن الجملة الثانية التي وصفت اليوم بأنه عسير حتمًا على الكافرين، كانت عند افتتاح الحديث عن الفئة الثانية الفئة المكذبة الضالة؛ فإعجاز الأداء إعجاز الصياغة إعجاز القرآن لا يتركز فقط بالمعاني العظيمة التي يبرزها هذا القرآن وإنما يتركز كذلك ويتجلى في هذا التوزيع المعجز الذي يضع كل كلمة كل جملة في المكان الذي يناسبه، في المكان الذي لو أخلي منه لما أدى الكلام المعنى المراد منه بحال من الأحوال، بعد أن ينتهي الأمر عند هذا الحد يأتي مجال الكلام عن هذا الذي خلقه الله وحيدًا.
أنا لا أريد أن أسترسل في الحديث أكثر مما استرسلت وإن كنت في كل الذي قلت أهدف إلى ناحية واحدة هي أن ألقي الأضواء على النهج الذي يجعل قراءة القرآن أكثر إفادة وأكثر إنتاجًا وأكثر عطاءً لكني في الجمعة الماضية تحدثت إليكم عن الجو العام الذي وجد في مكة بعد عدة مراحل قطعتها الدعوة، أن المشركين اشمأزوا وجلسوا فيما بينهم يتشاورون في أمر محمد صلى الله عليه وسلم ويتشاورون فيما هو أدهى عليهم، يتشاورون في أمر القرآن فهذا القرآن جاءهم بما لا قبل لهم به، بما لا يستطيعون له معارضة وبما لا يستطيعون دفعًا لتأثيره، وما يحدثه في النفوس، فانتهى الملأ منهم إلى أن يقولوا كلهم للوافدين عليهم من الخارج من خارج مكة في المواسم والمناسبات: احذروا محمدًا (صلى الله عليه وسلم) لا تجلسوا إليه ولا تسمعوا له فإنه جاء بسحرٍ يتبع فيه أثر غيره، ويأثره أي ينقله عن غيره.
عند من حصل الاجتماع؟ عندنا روايتان؛ رواية تقول: إن المشركين جلسوا كعادتهم في دار الندوة ودار الندوة دار تجتمع بها قريش لبحث الملمات والأمور العظيمة، ورواية أخرى تقول إن المشركين أي أشرافهم سعوا إلى الوليد بن المغيرة وهو من أشراف قريش وزعمائها وأثريائها فاجتمعوا عنده.. ما يهمنا هنا توطئة للأسبوع القادم إن أحيانا الله تعالى أن أذكر لكم شيئًا بسيطًا عن الوليد بن المغيرة. الوليد بن المغيرة من سادات قريش ومن أشرافهم ومن أثريائهم ومن ذوي الكلمة المسموعة فيهم وبالنسبة لمقاييس الجاهلية فالوليد زعيم كبير من الزعماء العظام للجاهلية مقاييسها ووصفًا لمقاييسها يجب أن لا نظلم الرجل، إن الرجل تعرض في القرآن لتشنيع كبير يستحقه بكل تأكيد، ولكن نحن نريد أن نتعرف على الجو نريد أن نتعرف على الحالة التي نزلت فيها الآيات إن حذفنا شيئًا من دلالة الواقع الذي كان موجودًا في ذلك الزمان؛ فنحن لا نستطيع أن نفهم شيئًا كان الوليد في الجاهلية يسمى الوحيد؛ وهنا في القرآن يقول الله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدًا) . وأحذر من الخلط بين المعنى أو الوصف الذي كان يوصف به الوليد في الجاهلية وبين المعنى الذي وصف به الوليد في هذا المكان، هذا شيء وذاك شيء آخر، كان الوليد يسمى الوحيد لأنه لا نظير له ولا عدل له ولا مثيل له بين العرب الجاهليين من أبناء قومه وأبناء جيله.
كانت قريش كلها تجتمع لتكسو الكعبة سنة وكان الوليد وحده يكسو الكعبة من ماله في السنة التي تليها فالوليد إذًا يساوي من حيث المناقب الجاهلية كل زعماء قريش فإذًا هذا الرجل له منزلته وله اعتباره، منزلته واعتباره جاءاه من أشياء في نفسه وفي شخصيته ترشحه لذلك.. القرآن نفسه.. الآيات هذه أعطتنا بعض الأضواء التي نستطيع أن نستدل بها على أن الوليد كان طرازًا خاصًا من المشركين: يروى أن الوليد جاء إلى محمد صلى الله عليه وسلم فقال: