"له يا ابن أخي إنك أتيت قومك بداهية، فرقت جموعهم وعبت آلهتهم وشتمت آباءهم وضللتهم وأكفرتهم".
فقال له: أي عم أتريد أن تسمع؟
قال نعم.
فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم يتلو عليه القرآن والقرآن كما قلنا لمجرد أن يسمعه الإنسان الذي يتمتع بالفطرة المستقيمة لا يمكن إلا أن يتأثر به، كان النبي يقرأ وكانت تعابير وجه الوليد تتغير كان القرآن يعمل في نفسه حتى إذا سكت النبي صلى الله عليه وسلم انصرف الوليد من عنده لم يعلق بأي كلام، انصرف وأقبل على مجالس قومه، وهم يتجمهرون حول الكعبة نظر الناظرون إلى الوليد إن الوليد. ذهب بوجه وعاد إليهم بوجه آخر؛ ها هو ذا مهموم تظهر عليه علائم التفكير يسحب قدميه سحبًا كأنما ينوء تحت ثقلٍ مفضح. قالوا: والله لقد جاءكم الوليد بغير الوجه الذي ذهب به.
قال أبو جهل: أنا أكفيكموه.
قام إليه استلقاه من بعيد قال له:
-يا عم سمعت أن قومك يتشاورون ليجمعوا لك مالًا.
قال: لمَ..؟ ألستُ أكثر أهل هذا الوادي مالًا.
قال: سمعوا أنك ذهبت إلى محمد تتعرض لما عنده تريد أن تستفيد من ماله، وأن تأكل من طعامه.
قال له: يا أبا الحكم إن قريشًا لتعلم أنني من أكثرها مالًا إنني والله ما ذهبت لهذا والله لقد سمعت من محمد كلامًا؛ والله ما يشبه كلام البشر إنه ليعلو ولا يعلى، وإنه ليحطم ما تحته، ولقد وضعته على أعاريض الشعر فوالله ما استقام لها، ولقد قلت إنه الكهانة، فلا والله ما هو بزمزمة الكهان ولقد قلت وقلت فما استقام لي شيء من ذلك والله إنه ليقول كلامًا إن أعلاه لجنان وإن أسفله لمغدق.
يعني أنه كلام يتفجر حيوية.
وحكمة قال فذلك ما أقول لك.
الوليد جاهلي ما شم رائحة الإسلام، ولا عرف كيف يأخذ نفسه بالمناهج التي تحطم الغرائز الشريرة في النفس، حمي أنفه وقال: أقالوها؟
قال: نعم.
قال: فإن الذي يقول محمد سحر.
قال لا يرضى قومك حتى تحدثهم بهذا.
فجاء إلى ناديهم فقال:
(إنْ هذا إلا سحر يؤثر) .
متى قال هذا؟ قاله بعد أن قال ما هذا قول البشر.
الانطباعة الأولى في شخصية الوليد التي تملك بعض الاستعداد لأن تكتشف الحقيقة، ولأن تأخذ بالحقيقة جعلته يقول: ما هذا قول البشر. الكلام الذي يتلوه محمد ليس مما يقوله الناس، ولكنه خضع أخيرًا بدسيسة أبي جهل، وفرارًا من أن تعيره قريش في مجتمع يفر فيه الإنسان من العار خوفًا من أن تعيره قريش بأنه يذهب ليأكل من طعام محمد؛ أردف بأن قال: إنْ هذا إلا سحر يؤثر.
فنحن إذًا إن أخذنا هذا الكلام الذي شرح أمر الوليد وفضح الوليد وأوجب له النار وتوعده وهدده، نجد حتى في ثنايا هذا ، ما يدل على أن الوليد أخذ وصف الوحيد في الجاهلية عن جدارة وعن استحقاق؛ وفقًا للمقاييس الجاهلية، ذلك لأنه كان يتمتع بشخصية لها جوانب من جوانب الامتياز مع هذا فأحسب أنني عند هذا الحد سوف أقف لأضم هذا الذي قلته الآن إلى ما قلته في الأسبوع الماضي ولأهيل الجو للتعرف على دلالة الآيات التي حكت هذا الشأن سوف أضيف لكم في الأسبوع القادم بعض الحوادث التي تساعدكم على التعرف تمامًا على خطورة أحوالنا؛ شيء عن الإنذار، وكما قلت لكم من قبل: هذه السورة تؤرخ فاتحة الإنذار أول ما قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم جاهرًا بالدعوة موجهًا إياها إلى المشركين علينا في هذه الحالة أن نحاول التعرف بدقة تامة على كل ردود الفعل التي حصلت في المجتمع المكي لنتعرف بعد ذلك على المواقف التي اتخذها المسلمون كي يحولوا دون استشراء مواقف المشركين ودون تعويق المشركين، إياهم عن المضي في مسيرتهم وفي طريقتهم وقبل ذلك إن شاء الله تعالى.