تمضي فيهتزُّ الربيع بها إذا
للعالمين ورحمة للمجْهَدِ
بشرى رسول الله آية ربّه
ولا تنحصر الأَحداث بمجرياتها وفواجعها بالمجرمين وحدهم، ولكن النائمين الغافلين، التائهين المستضعفين، مشاركون بذلك، لأنهم لم ينهضوا إِلى مسؤولياتهم، ولا إلى الوفاء بالأمانة التيِ خُلِقوا لها.
إننا ندرس هذه الموضوعات، ونقدمها للقارئ الكريم، ليدرك مدى خطورة تسلل الأفكار العلمانيّة المناهضة للإسلام، ومدى خطورة تقبُّلها من بعض المسلمين، حتى إِذا تجمّعت هذه وتلك، أخذت هذه الأفكار كلها توهن من عزيمة الأمّة ومن ثقتها بربها ومن نهوضها للوفاء بأمانتها التي ستحاسَبُ عليها بين يدي الله.
عند دراسة أيّ أمر أو قضيّة، يجب أن يكون هنالك ميزان نؤمن به ونزن الأمور والقضايا به. ميزان أمين معلن عنه معروف لدى الناس، حتى يعرف الناس منطلقك والأسس التي تبني عليها رأيك.
إنّ الميزان الذي نزن به الأمور ليحكم على هذه القضية أو تلك بأنها حق أو باطل هو ميزان المنهاج الربّاني. فهو وحده الميزان الحق الأمين. وهو الذي يجب أن تردّ الأمور كلها إليه، صغيرها وكبيرها. وهو الميزان الذي لجأنا إليه لندرس قضيَّة"الحداثة"كلها ومذاهبها و"البنيويّة"و"التفكيكيّة"، وكذلك"الأسلوب والأسلوبية"، وكذلك العلمانيّة، وسائر القضايا التي تعرَّضنا لها بالدراسة والتحقيق والتدقيق.
إِن أَعداء الإِسلام لم يتركوا أَسلوبًا لمحاربة الإِسلام إِلا لجؤوا إِليه، سواء أكان الأسلوب مباشرًا أو غير مباشر. وهذا أسلوب غير مباشر حين يستخدمون الأدب، ويُطلقون منه مذهبًا بعد مذهب، ليدعو كلُّ مذهب إِلى صورة من صور التحلُّل من أسس وقيم، و إِلى التفلّت منها، لتتفجّر الشهوات وتتدفّق، ولتصبح خَدرًا يسيل مع الدم في العروق.
ولا نستطيع إلا أن نعترف بأنهم حققوا نجاحًا كبيرًا في واقع العالم الإسلامي، نجاحًا يكشف عن نهج عام وخُطّة شاملة، يُخفونها أول الأمر ثمّ يكشفون منها شيئًا فشيئًا، على قدر ما أصاب الخَدَر من النفوس والقلوب. وما كان سبب نجاحهم إلا قوّة الجهد الذي بذلوه للفتنة والفساد، وغفوة المسلمين غفوة كبيرة.
ومهما يكن، فيظل واجب المؤمن أن يتصدى للدفاع عن دينه وإسلامه، لاجئًا إلى الله سبحانه وتعالى، يستمد منه العون والقوة. إنه دين الله، وإنّ الله ناصر دينه، ولكنها فترات ابتلاء وتمحيص قد تطول وتمتدّ على حكمة لله بالغة وقدر غالب، لتقوم الحجّة على كلّ إنسان يوم القيامة، أو تقوم له.
ويجب أن نعلم، كما بيَّنَّا في أكثر من كتاب، أنه ما من مذهب أدبيّ إلا وكان وراءه مذهب فلسفيّ يغذّيه ويدعمه. فكم من نزعة فساد انتشرت في الأرض عن طريق مذهب فاسد في الأدب.
تدعو"الحداثة"إلى عزل المؤلف عن كلمته وما ألفه، وتجعل هذا العزل أو تسميه موت المؤلّف. وبذلك خالفوا المبدأ العظيم في الإسلام من أن كلّ إنسان مسؤول عن عمله وعن كلمته، كما جاء في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم:
(.... وهل يكبّ النَّاس على وجوههم"أو مناخرهم"في جهنّم إلا حصائد ألسنتهم )
[ الترمذي: 41/8/2616 ]
وعن طريق الأدب المنحَلِّ ومذاهبه نشروا الفاحشة بألوانها، واستخدموا بعض الألفاظ في غير معناها. فحين دعوا إِلى"تحرير المرأة"دَعَوْا في الحقيقة إلى تقييدها بالشهوات الماجنة أو الأهواء المتفلتة، وجَرّدوها من عفَّتها حتى تكون عبدة لا حرّيّة لها. وأطلقوا شهوات الشباب حتى سقط الكثيرون في حمأة الرذيلة، حتى صاروا عبيدًا لها.
2-لماذا ندرس الأَسلوب والأسلوبيّة من حيث إِنها مذهب غربيّ ؟!
لماذا ندرس الأسلوب والأُسلوبية من حيث إنها مذهب غربيُّ، ولماذا ندرس سائر المذاهب الأدبية والفكرية في الغرب ؟!
ندرس ذلك لنعرفَ أحدَ المنافذ التي يأتي الخطرُ منها على العالم الإسلامي، ولنعرف ما نأخذ وما ندع، لنحميَ أمّتَنا ودينَنا ونوفّرَ أسبابَ النهوضِ من الكبوةِ التي وقع فيها المسلمون اليوم.
العالم الإسلامي اليوم متأخّر من حيث القوةُ الماديةُ والصناعيةُ والعلميةُ بالنسبة لما وصل إليه الغرب. والغربُ متخلف تخلّفًا مريعًا بالنسبة للتصوّر الإيماني الإنسانيِّ الرّباني. ويمكن أن يعيش الإنسان بغير صناعة متطورة، ولكن لا يستطيع أن يعيش دون أخلاق ورسالة تحمل الأخلاق. ويكون الواقع أسوأ بكثير على الإنسان في الأرض، حين يتوافر لدى أمة من الأُمم جبروتُ القوةِ الماديةِ من صناعة وسلاح، وتتجرّدُ من قوَّةِ الأخلاق ورسالتها، فتضطرب الموازين، ويمتدُّ الظلم، والعدوان والمجازر. فمن يوقف ذلك، والسلاح يدفعه والموازين مضطربة والأخلاق ورسالتها مطويّة.