فهرس الكتاب

الصفحة 3610 من 27345

يجب أن نأخذ من غيرنا ما تحتاجه الأُمَّة المسلمة اليوم من صناعة وعلوم تطبيقية في مسيرة نهضتها الإِيمانيّة في مختلف ميادين الحياة. نريد ذلك لأننا نؤمن أن لنا نحن الأمةَ المسلمةَ رسالةً في الحياة: أمانةً حملناها، وعبادةً خُلِقْنا لها، وخِلافةً جُعلت لنا، وعمارةً للأرض بحضارة الإيمان أُمِرْنا بها. إنها رسالة وأَمانة وإِننا محاسَبون عليها بين يدي الله يوم القيامة، وإنها هي محورُ العهد مع الله، العهد الذي أَخذه اللهُ من بني آدم ومن ذريَّاتهم كلِّهم في عالم الغيب، ثم تأكَّد العهد مع كلِّ أُمة وكلِّ رسول. إنها مسؤوليّة عظيمة، وشرف عظيم لمن يقوم بها، وظلم وجهالة لمن يتخلّف عنها.

(( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلومًا جهولًا ) )

[الأحزاب: 72 ]

وحتى ننجح بالأخذ عن غيرنا يجب أن نلتزم بأربعة شروط رئيسة:

أولًا: أن يكون لدينا ميزان أمين دقيق نحدّد به ما نأخذ وما ندع. وهذا الميزان الذي لا ميزان لنا سواه هو منهاج الله ـ قرآنًا وسنّة ولغة عربيّة ـ، ميزانًا يجب أن يملأ نورهُ قلوبَ المسلمين إيمانًا وعلمًا ثمّ ممارسة.

ثانيًا: أن لا نقف عند الأخذ فحسب، فمسؤوليتنا تفرض علينا أن نعطي ونقدّم حين نأخذ. فإن كان لدى بعض الأمم قوة العلم الدنيوي والصناعة والسلاح، فإن لدينا وحدنا العلمَ الحقَّ والنظرة الأمينة والتصور الكامل الشامل للكون، والموت والحياة، والإنسان، وما سخَّره الله للإنسان.

ثالثًا: أن نعي الواقع الذي نعيشه لا من خلال الخوف والوهم والظنّ، ولكن من خلال منهاج الله.

رابعًا: أن يدرس ذلك المختصّون المؤمنون الذين لا يُفْتَنون بإذن الله وهم يأخذون ما نحتاجه من غيرنا.

فإذا توافرت هذه الشروط الأربعة أصبح ما نأخذه من غيرنا يطابق قوله سبحانه وتعالى:

(( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرثٍ ودمٍ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين ) )

[ النحل: 66 ]

نعم ! نريد أن نأخذ لبنًا خالصًا سائغًا للشاربين، ولا نريد أن نأخذ الفرث والدم مما هو متوافر لدى غيرنا، ومما هو غصّة وفتنة وضلال.

الخير الحق ملك للناس جميعًا، لا يحلُّ لأحد أن يحجزه. ولا يحقّ لشعب أن يدّعي أنه صاحب حضارة خاصة به وحده، إلا حضارة الإيمان التي بناها المسلمون المؤمنون الممتدون مع الرسل والأنبياء، والذين ختموا بمحمد صلى الله عليه وسلم. فهم وحدهم الذين بنوا حضارة الإيمان، حضارة التوحيد، حضارة الخير الحق.

وحين اختصّت هذه الأمة المسلمة الممتدّة ببناءِ حضارة الإِيمان والتوحيد، فإنها كذلك ساهمت بالحضارة الماديّة من علوم تطبيقيّة وصناعة، لتسخّرها في طاعة الله، ولتكون جزءًا لا ينفصل عن حضارة الإِيمان والتوحيد، ولتكون هذه الحضارة الإيمانيّة حضارة ممتدة شاملة لجميع ميادين الحياة.

وأما المجرمون المفسدون في الأرض فقد اختصوا بأن يساهموا في الحضارة الماديّة ليعزلوها عن الإيمان والتوحيد، حتى أصبحت حضارة مادية علمانية، ساهم في بنائها التاريخ البشريّ كله.

وما بناه الإنسان من علوم وصناعة، فإِنما ذلك فضلٌ من الله، هداهم الله به إليها، فكفروا به وبفضل الله، وعزوا ذلك لأنفسهم فتنة وضلالًا وابتلاءً من الله، لتقوم الحجة عليهم يوم القيامة.

ولقد جعل الله الكون مفتوحًا لعباده كلهم، للتقيّ والفاجر، ليسيروا في آفاقه حيث تقوم آيات الله البيّنات، يراها المؤمن فيزداد إِيمانًا، ويراها الكافر فيأخذه الكبر والغرور، ويحسب أنه هو صانعها ومبدعها.

الإنسان بحاجة اليوم إلى حضارة الإيمان والتوحيد، لينطلق بها المؤمنون المتقون، فيصلوا ما انقطع منها فترة من الزمن، ويمضوا على صراط مستقيم يخرجون الناس من الظلمات إلى النور، ومن الموت إلى الحياة.

ولفظة الحضارة كلمة جرت على ألسنة الناس، دون أن يكون لها معنى محدّد في القلوب والوعي. فمن الناس من يحسب الحضارة عمائر وشوارع، أو يحسبها مجرَّد علم وصناعة وسلاح، أو أيّ نشاط مادي يوفّر للإنسان متعته ورفاهيته.

أما حضارة الإيمان والتوحيد، فإنها تشمل ذلك كله، تشمل كل نشاط مادّيّ في الحياة يوجهه الإيمان والتوحيد، حتى يرتبط النشاط بهما، تترابط عناصر النشاط كلها لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، من الفتنة والكفر والجهل والظلام إلى الإيمان والعلم والنور، من العلمانيّة والجاهليّة، إلى الإيمان والحق.

3-لمحة سريعة عن الغزو العَلماني اللاديني للعالم الإسلامي

إننا نلمس اليوم تسلل التصورات الوثنيّة والعلمانيّة إلى العالم الإسلامي في ميادين مختلفة من الحياة: الفكرية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية وكذلك الأدبيّة، إن هذا التسلل بدأ منذ عهد بعيد، ولكنه اشتدّ اليوم وبرزت مظاهره وامتدت. ولقد سقط في حمأة الفكر العلماني كثيرون، ولم يكن لهم بادئ الأمر صولةٌ وجولة، ولكنهم اليوم امتدوا وانتشروا وعلت منابرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت