بدأ الغزو أول الأمر بالجيوش والسلاح، والاحتلال والعدوان، والإِرهاب والفتك. وكان يستخدم الحركات التنصيرية التي يدّعي أنه لا يؤمن بدينها ممهِّدةً لجيوشِه الزاحفة، وكان يستغل المستشرقين والضعفاء، ويستغل الإعلام، وأخذ يهدّم في حصون الأمة حصنًا حصنًا بشكل عدائي سافر. ومع المقاومة التي كان يلقاها في مختلف بقاع العالم الإسلامي لجأ إلى أُسلوب خفيّ غير مباشر يستغل فيه الأدب والكلمة، والفكر والفلسفة، في إطار مغرٍ من الزخرف والزينة، تحت شعارات مغرية كذلك ولكنها مضلِّلة، مثل الحرّية، الإنسانيّة، العدالة، المساواة، حقوق المرأة، حقوق الإنسان، وسحق المرأة وإلقائها في وحول الجريمة المدَبَّرة، وجريمة سحق الشعوب كذلك. ولقد أثَّر زخرف الشعارات وأثر إعلامها الهادر حتى خدّر الكثيرين. وجاء الأدب الزائف يحمل الزخرف الزائف ليتابع نشر الفتنة والفساد بصورة هادئة غير مباشرة. وكانوا يهدفون من ترويج الأدب الزائف الواهي إلى عدة أمور في وقت واحد: أولًا إِبعادِ المسلم عن لغته العربيّة الأصلية وآدابها، ونشر اللهجات العامية واللغات الأجنبية. ثم إبعاد المسلم عن كتاب الله وسنة نبيّه صلى الله عليه وسلم، ثم إبعاده عن تراثه الصادق الصافي بمحاولة طمسه بالشبهات. ولقد أصابوا في ذلك نجاحًا ملحوظًا، حتى إنك ترى أن اللهجات العامية طغت، واللغات الأجنبية امتدت، وكذلك آدابها وتصورها، وهجر الملايين من المسلمين كتاب الله وعمّ الجهل باللغة العربية وبالكتاب والسنة القطاع الأعظم من المسلمين في الأرض.
وسهّل امتداد جريمة الآدابِ الغربيّةِ بأسلوبٍ ناعمٍ هادئٍ ما كان يثيره إِعلامهم ومن سقط من المسلمين في ضلال دعوتهم من أنه لا علاقة بين الأدب والدين. وإِنهم لكاذبون، وإنهم ليعلمون أنهم كاذبون مفترون خادعون. فصدّق الفريةَ الكثيرون وبرزت التبعيّة الأدبيّة تحمل الضلال والسمّ الزعاف.
إنهم يعلمون أن كل مذهب أدبيّ ظهر عندهم كان وراءه فكر وفلسفة تدعمه وتغذّيه. فالكلاسيكيةُ كان وراءها الوثنيةُ اليونانيّة والرومانيّة، والرومانسية كان وراءها الفلسفةُ المثالية، والمذهب الوجودي كان وراءه الفلسفة الوجودية، وكذلك الواقعية وسائر المذاهب الأدبية. وإِنهم ليعلمون أن الإسلام فكر مشرق قادر على أن يدفع أدبًا ينبع منه. إنهم يعلمون كل ذلك، ولأنهم يعلمون ذلك فقد كانوا يخافون الإسلام والأدب الذي يمكن أن ينبع منه نظريةً ونصًّا، والذي يلتزم الإسلام التزام وعي وقدرة وصدق.
إنهم يخافون ذلك خوفًا شديدًا، لأنهم عرفوا من خبرتهم الطويلة في صراعهم مع الإسلام، أن الإسلام هو الدين الوحيد في الأرض الذي لا يمكن مساومته على حقٍّ أو دفعه إلى باطل، مادام أبناؤه مستمسكين به صادقين واعين عاملين باذلين. إِنهم يدركون أنه الدين الوحيد الذي يَجْمع أبناءه أمةً واحدةً لا يَحلُّ لها التفرُّق والصراع:
(( فاستمسكْ بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم ) )
[ الزخرف: 43 ]
(( والذين يمسّكون بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين ) )
[ الأعراف: 170 ]
ولكن"فوكوياما"، في كتابه"نهاية التاريخ والرجل الأخير"، يُطمئن الغرب على ديمقراطيّته التي يرى أنها هي نهاية التاريخ البشريّ، يطمئنهم بأنه مع أن الإسلام يملك من المقومات ما يؤهله لمصارعة الديمقراطية، إلا أنه لا خوف من ذلك، فالمسلمون ممزّقون لا أمل بلقائهم أبدًا. ولكننا نقول له: الله أكبر، وسيلتقي المؤمنون على قدر من الله غالب، ووعد صادق. وعلى المؤمنين المتقين أن يهبّوا ليصدقوا الله ويوفوا بعهدهم مع الله.
(1) من قصيدة"كوسوفا"في ديوان: عِبر وعَبرات للمؤلف.
(2) من ملحمة الإسلام في الهند للمؤلف.