ومعرفة هذا القانون في وجهه الأول مباحة للجميع ويمكن الحصول عليها من قبل المسلم والكافر ، وأكثرهما جدية ونشاطًا ونظرًا وبحثًا وسعيًا أكثرهما وقوفًا عليه وإحاطة بجوانبه وجزئياته. فهذا العلم مشاع للجميع ولا يختص المسلمون بشيء منه باعتبارهم مسلمين ، اللهم إلا في القصد من تعلمه وفي أوجه الانتفاع منه ، لأن قصد المسلم وأوجه انتفاعه بالأشياء وبما يعلم ، كل ذلك محكوم بحكم الشريعة الإسلامية فما تبيحه أو توجبه فهو مباح أو الواجب وما تنهى عنه فهو المكروه أو الحرام.
7-الوجه الثاني من القانون العام:
أما الوجه الثاني من القانون العام فهو الذي يتعلق بخضوع البشر له باعتبارهم أفرادًا وأممًا وجماعات. وأعني بخضوعهم له خضوع تصرفاتهم وأفعالهم وسلوكهم في الحياة وما يكونون عليه من أحوال وما يترتب على ذلك من نتائج كالرفاهية أو الضيق في العيش ، والسعادة والشقاء والعز والذل والرقي والتأخر والقوة والضعف ونحو ذلك من الأمور الاجتماعية في الدنيا وما يصيبهم في الآخرة من عذاب أو نعيم وفقًا لأحكام هذا القانون بوجهه الثاني.
8-هل يوجد هذا القانون في الشريعة الإسلامية:
ونتساءل: هنا هل يوجد هذا القانون بوجهه الثاني في الشريعة الإسلامية ويخضع له البشر في أفعالهم وسلوكهم وما يترتب عليها من نتائج في ضوء قواعد هذا القانون وأحكامهم ؟ والجواب: إن الشريعة الإسلامية - بكتابها العزيز القرآن ، وبالسنة النبوية الكريمة - تبين بوضوح وجلاء وجود (سنة عامة) لله تخضع لحكمها تصرفات البشر وأفعالهم وسلوكهم ومواقفهم من شرع الله وما قد يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهل تعني (سنة الله) ما نعنيه بالقانون العام الذي نتكلم عليه ؟ والجواب يعرف بعد أن أبين تعريف سنة الله في اللغة وفي اصطلاح الفقهاء وعلماء التفسير.
9-تعريف سنة الله:
السنة في اللغة تعني السيرة ، حسنة كانت أو قبيحة. وفي النهاية لابن الأثير: (والأصل في هذا اللفظ - السنة - الطريقة والسيرة. وفي حديث المجوس(سنوا بهم سنة أهل الكتاب) أي خذوهم على طريقتهم وأجروهم في قبول الجزية منهم مجراهم). وقال الفيروز آبادي في معنى (السنة) : والأصل فيها الطريقة والسيرة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من سن سنة حسنة) أي طرق طريقة حسنة ، وسنة النبي صلى الله عليه وسلم طريقته التي كان يتحراها. وقال شيح الإسلام ابن تيمية: (والسنة هي العادة التي تتضمن أن يفعل في الثاني مثل ما فعل بنظيره الأول: ولهذا أمر الله تعالى بالاعتبار) . وقال الإمام الرازي في تفسيره: (والسنة: الطريقة المستقيمة والمثال المتبع) .
10-التعريف المختار لسنة الله:
يلاحظ أن هذه الكلمة يدور معناها على معنى (الطريقة المتبعة) فيكون معنى (سنة الله) هي الطريقة المتبعة في معاملة الله تعالى للبشر بناء على سلوكهم وأفعالهم وموقفهم من شرع الله وأنبيائه وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة.
11-سنة الله هي القانون العام:
وحيث أن سنة الله تعالى المتعلقة بأفعال البشر وسلوكهم هي طريقته المتبعة في معاملته للبشر، كما قلنا، وما يترتب على ذلك من نتائج معينة في الدنيا والآخرة ، فهذا يعني أن معنى (السنة) هو معنى (القانون العام) من حيث خضوع أفعال البشر وسلوكهم إلى أحكام هذه (السنة) التي يمكن تسميتها بالقانون العام.
12-سنة الله تتسم بالثبات والاطراد والعموم:
وما دامت (سنة الله) هي القانون العام الذي يحكم أفعال البشر وسلوكهم فإنها تتسم بالثبات والاطراد والعموم ، وهذا هو شأن القاعدة القانونية. فهي ثابتة لا تتغير ، قال تعالى: (سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلًا) . وقال تعالى: (فلن تجد لسنة الله تبديلًا ولن تجد لسنة الله تحويلًا) .
وهي مطردة لا تتخلف ، ويدل على اطرداها أن الله تعالى قص علينا قصص الأمم السابقة وما حل بها لتتعظ ونعتبر ولا نفعل فعلهم لئلا يصيبنا ما أصابهم ، ولولا اطرداها لما أمكن الاتعاظ والاعتبار بها. فمن هذه الآيات قوله تعالى: ( فاعتبروا يا أولي الأبصار) بعد أن قص الله تعالى علينا ما حل ببني النضير لسوء أعمالهم ، قال الآلوسي في هذه الآية: أي فاتعظوا بما جرى عليهم - أي على اليهود من بني النضير - من الأمور الهائلة على وجه لا تكاد تهتدي إليه الأفكار ، واتقوا مباشرة ما أداهم إليه من الكفر والمعاصي ، واعتبروا من حالهم في غدرهم واعتمادهم على غير الله - الصائرة سببًا لتخريب بيوتهم بأيديهم وأيدي أعدائهم ومفارقة أوطانهم كارهين - إلى حال أنفسكم فلا تعولوا على تعاضد الأسباب وتعتمدوا على غيره عز وجل بل توكلوا عليه). وكذلك قوله تعالى: ( قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. هذا بيان للناس وهدى وموعظة للمتقين) .