فهرس الكتاب

الصفحة 19822 من 27345

وبالنسبة لقوله عز من قائل في آخر آية القصاص من سورة"المائدة":"فمن تصدَّق به (أى تنازل عن القِصَاص تقرُّبًا إلى الله سبحانه) فهو كفارة له"9 يقول كاتبنا إن النسخة الحالية للعهد القديم تخلو من هذا الحكم، إذ ليس فيها إلا العين بالعين، والسن بالسن...إلخ، أما العفو والتسامح فإنها لا تذكره. وهو لا يستبعد أن هذا الحكم كان موجودا في التوراه الأصلية، ثم عَفَتْه يد العبث أو الإهمال المتعمد10. كذلك من المعروف أن القرآن يسمى والد إبراهيم عليه السلام:"آزَر"، على حين يدعوه العهد القديم:"تارح". وقد حاول محمد أسد أن يجد حلا لهذه المسألة قائلا إن اسم والد إبراهيم في التلمود هو"Zarah"، وعند المؤرخ الكنسى يوزبيوس بامفلى11:"Athar"، ورغم أن أيا من هذا وذاك لا يصلح، كما يقول، أن يكون حجة يعتمد عليها في تفسير القرآن فمن الممكن القول بأن"آزر"هو تعريب لـ"Zarah"أو"Athar"

وكان محمد لطفى جمعة قد تناول هذا الموضوع في تفسيره للقرآن الكريم (الذى تركه محفوظا ونشره ابنه الأستاذ رابح لطفى جمعة في التسعينات من القرن الماضى) وأشار إلى أن الاسم الموجود في التلمود هو"آثر"، وكان رأيه، مع ذلك، أنه ما دام العهد القديم يقول إنه"تارح"، فإن"آزر"لم يكن أبًا حقيقيا له بل عَمًّا، وبخاصة أن إبراهيم قد دعا ربه أن"اغفر لى ولوالدىَّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب"13 بما يدل على أن ذلك الأب كان مؤمنا ما دام خليل الله قد قرنه مع المؤمنين، بينما كان آزر وثنيا بنص الآية التى ورد فيها اسمه حيث يقول له إبراهيم مستنكرا:"أتتخذ أصناما آلهة؟"14. وهذه، في الواقع، مغالاة من لطفى جمعة بقيمة الكتاب المقدس من ناحية الوثاقة التاريخية التى لا يستحقها، فضلا عن أن ذكر إبراهيم لوالده مع المؤمنين لا يدل على أنه كان مؤمنا مثلهم، بل كل ما في الأمر أنه عليه السلام، بعد أن بُحَّ صوته في محاولة هدايته، قال له:"سلام عليك! سأستغفر لك ربى..."15، وهو ما أشار إليه القرآن في قوله جل جلاله:"وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إياه، فلما تبيَّن له أنه عدو لله تبرَّأ منه"16. ثم إن العهد القديم ليس بالحجة التى يصح الاعتماد عليها، وبخاصة إذا قام تعارض بينه وبين القرآن17. وبالمناسبة فقد أشار أيضا كل من سيل ورودويل، وهما من مترجمى القرآن إلى الإنجليزية، إلى أن يوزبيوس يسمى والد إبراهيم:"آثر"، كما ذكر محمد حميد الله العالم الهندى الذى ترجم القرآن إلى الفرنسية أن"تارح"تكتب باليونانية:"Thara"، كما قد تكتب أيضا:"Athar"، وأنه من هنا جاءت"آزر"18. وأغلب الظن أن محمد أسد قد رجع إلى هؤلاء وهو يُعِدّ ترجمته التى بين أيدينا.

وفى حادثة الطوفان نجد كاتبنا يعلن موافقته لمولاى محمد على (القاديانى) على أن رواية القرآن التى تقول إن ذلك الطوفان لم يغرق الأرض كلها بل جزءا منها فقط هى الرواية الصحيحة، إذ جاء فيه قول رب الجلال:"وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا"بما يعنى أنه لم يشمل كل أرجاء المعمور بل أغرق المكذبين من قوم نوح فحسب، على عكس ما نقرؤه في العهد القديم من أنه شمل الدنيا جميعا وأهلك كل شىء فيها19.

ولأسد في هُود عليه السلام رأىٌ لستُ أستطيع أن أذكر أنى لقِيتُه عند أحد غيره، وهو أن ذلك النبى الكريم قد يكون هو النبى"عابر"المذكور في سفر"التكوين"وأن أصداء اسمه موجودة في اسم"يهوذا"ابن يعقوب عليه السلام. ذلك أن من المحتمل عنده أن يكون"هُود"هو الأب الأول للعبرانيين، وأن تكون معظم القبائل السامية، بما فيها العبرانيون أنفسهم، قد نزحت من جنوب الجزيرة العربية20.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت